الصفحة 29 من 58

وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه مرفوعًا: (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «حَبَّذَا الْمُتَخَلِّلُونَ» ، قَالُوا: وَمَا الْمُتَخَلِّلُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ:"الْمُتَخَلِّلُونَ بِالْوُضُوءِ، وَالْمُتَخَلِّلُونَ مِنَ الطَّعَامِ، أَمَّا تَخْلِيلُ الْوُضُوءِ: فَالْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَبَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَأَمَّا تَخْلِيلُ الطَّعَامِ: فَمِنَ الطَّعَامِ، إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَى الْمَلَكَيْنِ مِنْ أَنْ يَرَيَا بَيْنَ أَسْنَانِ صَاحِبِهِمَا شَيْئًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي) [1] ، إن رائحة طعامنا الطيب في أفواهنا تؤذي الملائكة، فكيف برائحة الدخان المنتن الممتزجة بأنفاسنا؟!."

وإذا غفر الله عز وجل لنا ما اقترفناه في حق أنفسنا، فكيف بحقوق الآخرين التي أضعناها؟!، كيف بالأذى الذي نوقعه عليهم لما يدخنون رغمًا عنهم معنا، وبما وصف قبل بالتدخين السلبي الذي ثبت خطورته عليهم؟!، والله عز وجل يقول: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [2] ، ويروى عن أنس رضي الله عنه مرفوعا: (من آذى مسلمًا فقد آذاني، ومن آذاني فقد أذى الله) [3] ، وعن أبي شريح رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، الذي لا يأمن جاره بوائقه) ، وعن أبي صرمه رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ) [4] .

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً) [5] ، وفي هذا الحديث الشريف أبلغ تصوير لمجالس المدخنين الذين كم من السجائر أحرقت ملابسهم وملابس جلسائهم، وكم تؤذي برائحتها الخبيثة المبتلين من حولهم، ولكن يجب أن ننصف نافخ الكير الذي يفيد بعمله نفسه والآخرين، أما نافخ الدخان فلا خير في تدخينه له ولا لغيره، بل الشر يلحق بهم جميعًا.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ) [6] ، فأقل ما يجب على المؤمن فعله من خير هو أن يرفع الأذى عن الطريق، وأناس يفعلون أعمالًا كبيرة يريدون بها التقرب

(1) رواه الطبراني في المعجم الكبير (4061) ، وفي إسناده: واصل بن السائب، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/ 30) :"وهو ضعيف".

(2) الأحزاب:58.

(3) رواه الطبراني في المعجم الصغير (468) والأوسط (3607) ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 179) :"فيه: القاسم بن مطيب، قال ابن حبان: كان يخطئ كثيرا، فاستحق الترك".

(4) رواه الترمذي (1940) وقال:"حسن غريب".

(5) رواه البخاري (2101) ومسلم (2628) .

(6) رواه مسلم (35) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت