المطلب الأول: (وحدة الأديان) والتصوف الفلسفي:
يشتهر عن ثلة من كبار الصوفية قولهم:"الطرق إلى الله عدد أنفاس الخلائق"، وهذا القول إن عني به: التعدد باختلاف وسيلة بلوغ التوحيد وتحقيق الإيمان، أو تعدد أنواع القربات المشروعة، وكلها تحقق توحيد الله والاتباع .. فهذا حق. وإن عني به: أن لكلٍّ أن يخترع طريقة للتقرب، فهذا خارج عن حد الحقيقة؛ فلا حق متعدد هنا [1] .
ولكن في التراث الصوفي الفلسفي نصوص صارخة بالقول بوحدة الأديان، باعتبار ذلك نتيجة حتمية يؤول إليها القول بمذهب وحدة الوجود [2] .
فمن أشعار أهل وحدة الوجود المشهورة في ذلك ما نظمه ابن عربي بقوله:
"عقد الخلائق في الإله عقائدًا وأنا اعتقدت جميع ما عقدوه" [3]
ويقول:
"لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه داني"
لقد صار قلبي قابلًا كل صورة فمرعى لغزلان، ودير لرهبان
وبيت لأوثان، وكعبة طائف وألواح توراة، ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه، فالدين ديني وإيماني" [4] "
ويحذر ابن عربي أتباعه أن يؤمنوا بدين خاص، ويكفروا بما سواه، فيقول:"فإياك أن تتقيد بعقد مخصوص، وتكفر بما سواه، فيفوتك خير كثير، بل يفوتك العلم بالأمر على ما هو عليه، فكن في نفسك"هيولي" [5] لصور المعتقدات كلها، فإن الله تعالي أوسع وأعظم من أن يحصره عقد دون عقد، فالكل"
(1) انظر: د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه، الحقيقة الواحدة والمتعددة، موقع (الإسلام اليوم) :
(2) انظر: د. سعيد محمد حسين معلوي، مصدر سابق، مبحث: وحدة الأديان في ضوء وحدة الوجود، ص 529 - 614، ومبحث: موقف الصوفية الاتحادية من وحدة الأديان، ص 615 - 727.
(3) انظر: شرح الفصوص لعبد الرحمن جامي، شرح الفص الهودي، نقلًا عن: عبد الرحمن الوكيل، هذه هي الصوفية، ص 93.
(4) ابن عربي، ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق، ص 39، نقلًا عن: عبد الرحمن الوكيل، المصدر السابق، ص 93.
(5) الهيولي لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة، وفي الاصطلاح الفلسفي هي"ما به الشيء بالقوة، أو جوهر في الجسم قابل لما يعرض لذلك الجيم من الاتصال والانفصال"، وقد استعملها ابن عربي هنا بمعنى القابل، أي الذي تنطبع فيه صور المعتقدات كلها، وينفعل بها، وتصدر عنه أفعاله طبقًا لمعتقداته المتنوعة- عبد الرحمن الوكيل.