لا يعترف الإسلام بكتب الأديان الوضعية باعتبارها كتب (أديان) لها احترام الكتب الدينية المعترف بها، أما الأديان المنزلة- كاليهودية والنصرانية- فيطلق القرآن على أهلها مصطلح (أهل الكتاب) ، وهو مصطلح يحمل في ثناياه أهمية كتبهم الدينية الأساسية واعترافه بصحة كونها كتبًا دينية منزلة من حيث الأصل والمبدأ، ولكن من جهة أخرى فإن القرآن الكريم ينص بوضوح على تحريف أهل هذه الأديان لهذه الكتب تحريفًا ماديًّا ومعنويًّا، يقول الله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75] ، ويقول: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46] ، ويقول: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة: 13] ، ويقول: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79] ، ويقول: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} [الأنعام: 91] .
فما عليه اليهود والنصارى"فمخالف للأديان السماوية، حيث بدَّلوا التوراة والإنجيل، وحرَّفوهما عن أصليهما النازلين من عند الله، تحريفا يتصل بالنص وبالتأويل" [1] ، وعلى ذلك:"فكل ما يوجد في التوراة والإنجيل مخالفًا لما جاء فيه- كجعلهم لله صاحبة أو ولدًا أو غير ذلك، من العقائد وأُصول الأحكام- فهو من تحريف أهل الكتاب، وهو مردود على أصحابه" [2] ، فإذا كان الإسلام يعترف بهذه الأديان (السماوية) فإنه يعترف بها من حيث صحة أصلها، ولكنها لا يقر ما فيها من شركيات وكفريات وانحراف عن دين الله، الذي أُحدث بعد ذلك، والذي يمثل واقعها الآن. ولكن يظل لهذا الأصل أثره في نظرة الإسلام إلى الأديان وفي الأحكام الشرعية المترتبة على هذه النظرة.
وهذه نتيجة حتمية لما سبق؛ يقول الشيخ محمد البهي تحت عنوان (القرآن له منزلة الفصل في الكتب السماوية السابقة) :"فرسالة القرآن تختلف عما هو في التوراة والإنجيل الآن، إذ ما في التوراة والإنجيل لم"
(1) مجموعة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، التفسير الوسيط للقرآن الكريم، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، القاهرة، ط 1، ج 1، ص 591.
(2) السابق، ج 1، ص 512.