يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه: 44] .
ولكن في الوقت نفسه ينبغي الإشارة إلى أن الحوار الشرعي نوعان:
"الأول: حوار الدعوة: وهو وظيفة المرسلين، وخلفائهم من العلماء الربانيين، والدعاة الناصحين، وهو مشروع الأمة الإسلامية، وعنوان خيريتها على سائر الأمم. ومضمون هذا الحوار هو: (الكلمة السواء) التي دل عليها قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] ، وأسلوبه هو: ما دل عليه عموم قوله تعالى: {ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] ، وخصوص قوله: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إلَيْنَا وَأُنزِلَ إلَيْكُمْ وَإلَهُنَا وَإلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46] ، وترجمته العملية: سيرة صلى الله عليه وسلم في دعوة أهل الكتاب؛ من يهود المدينة، ونصارى نجران، ومكاتباته لملوك الأرض، ثم طريقة السابقين الأولين من الصحابة والتابعين والسلف الصالح، كمحاورة جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه) وأصحابه للنجاشي وبطارقته، وهدي الصحابة (رضوان الله عليهم) في معاملة أهل البلاد المفتوحة، وأسلوب العلماء الراسخين في مخاطبة أهل الكتاب ..."
وأبرز خصائص هذا الحوار ما يلي:
1 -مبادأة أهل الكتاب بالدعوة الصريحة إلى الإسلام، وعدم الاشتغال بأمور أخرى تصرف عن ذلك، أو توهنه، أو تؤجله.
2 -مجادلتهم بالتي هي أحسن في القضايا العقدية الفاصلة، ومحاجتهم، ومناظرتهم، لدحض شبهاتهم، ونقض حججهم، بأسلوب علمي رفيع، ثم مباهلتهم إن لزم الأمر.
3 -أخذ زمام المبادرة في دعوتهم، كما يدل عليه قوله: {تَعَالَوْا} [آل عمران: 64] ؛ باستضافتهم في دار المسلمين، واستقبال وفودهم، والكتابة إليهم، وغشيانهم في محافلهم وبيوتهم لدعوتهم، وكل ذلك ثابت من هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
4 -تألفهم بالقول الحسن، كمناداتهم بما يليق بهم من ألقاب حق، وتحيتهم تحية مناسبة، كقول صلى الله عليه وسلم: «إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى» ، وبالفعل الحسن، كعيادة مريضهم، وتمكينهم من الصلاة في المسجد لعارض، وإكرام وفدهم، تأسيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم.
الثاني: حوار السياسة الشرعية: وهو ما تفرضه حركة الأمة الإسلامية، وتمليه طبيعة التعايش بين البشر؛ بحكم الجوار والمصالح المتبادلة. وهذا النوع من الحوار والمفاوضات والمعاهدات يوكل إلى أولي الأمر،