الصفحة 15 من 49

القيامة، وساعتها سيؤمنون؟! {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} : يعني يوم يأتي هذا العقاب الذي يَؤول إليه أمْرهم: {يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ} : أي يقول الكفار الذين تركوا القرآن، وكفروا به في الحياة الدنيا: {قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} : أي قد تبيَّن لنا الآن أنَّ رُسُل ربنا قد جاؤوا بالحق ونَصَحوا لنا، {فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا} عند ربنا، {أَوْ نُرَدُّ} إلى الدنيا مرة أخرى {فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} {قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} : أي أهلَكوا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيها، (إذ معنى خُسران النفس: عدم الانتفاع بها في الدنيا، حينَ كانَ في إمكانهم أن يجعلوها تفعل الخير الذي يؤدي بهم إلى الجنة) ، {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} : أي ذهب وغاب عنهم ما كانوا يَزعمونه كَذِبًا من شفاعة آلهتهم لهم عند ربهم.

الآية 54: {إِنَّ رَبَّكُمُ} - الذي يجب أن تعبدوه وحده - هو {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} : أي عَلا وارتفع على العرش (استواءً يليق بجلاله وعظمته) ، ودَبَّرَ الممالك، وأجْرَى عليها أحكامه الكونية، فهو سبحانه {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} : أي يُدخِلُ الليلَ على النهار حتى يُذهِبَ نُوره، ويُدخِل النهار على الليل حتى يُذهِب ظلامه، {يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} يعني: وكل واحد منهما يَطلب الآخر طلبًا حَثيثًا - أي سريعا - (إذِ الحَثّ: هو الإعجال والسرعة) ، فيَطلبه سريعًا حتى يُدركه، فكلما جاء الليل: ذهب النهار، وكلما جاء النهار: ذهب الليل، وهكذا أبدًا على الدوام، حتى يَطوي اللّهُ هذا العالم، وينتقل العباد إلى دارٍ غير هذه الدار.

{وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ} خلقهنَّ سبحانه، وجعلهنَّ {مُسَخَّرَاتٍ} : أي مُذلَّلاتٍ له، يُسَخِرهنَّ سبحانه كما يشاءُ {بِأَمْرِهِ} : أي بتدبيره الدالّ على ما له مِن أوصاف الكمال (إذ إنّ عظمة هذه المخلوقات تدلّ على عظمة خالقها وكمال قدرته) ، (وما فيها من الانتظام والإتقان والإحكام يدلّ على كمال حِكمته) ، (وما فيها من المنافع الضرورية لِخَلقه يدلّ على سِعَة رحمته بخَلقه، وعلى سِعَة عِلمه بمصالحهم، وأنه الإله الحق الذي يجب أن يُعبَد ولا يُعبَد غيره) ، {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ} : أي له سبحانهُ صفة الخَلق التي صدرتْ عنها جميع المخلوقات، فجميع المخلوقات مِلكٌ له سبحانه، {وَالْأَمْرُ} : أي وله الأمرُ وحده، يَحكم ما يشاء ويَفعل ما يريد، فلا خالقَ إلا هو، ولا آمرَ ولا ناهِيَ غيره (فالخَلق: يتضمن أحكام الله القدَريَّة، والأمر: يتضمن أحكامه الشرعية) ، {تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} أي عَظُمَتْ قدرته، وكَثُرَ خيره وفضله، (فتباركَ سبحانه في نفسه لِعظمة صفاته وكماله، وباركَ في غيره بإنزال الخير الكثير) .

الآية 55: {ادْعُوا رَبَّكُمْ} أيها المؤمنون {تَضَرُّعًا} : أي تذلُّلًا وخشوعًا {وَخُفْيَةً} : أي سرًّا، غيرَ رافعينَ أصواتكم بالدعاء، ولْيَكُن دعاؤكم بحضورِ قلبٍ وبُعْدٍ عن الرياء، فـ {إِنَّهُ} سبحانه {لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} المتجاوزين حدودَ شَرْعِه، (وأعظم التجاوُز: الشِرك بالله، كدعاء غير اللهِ من الأموات والأصنام، ونحو ذلك) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت