الصفحة 16 من 49

الآية 56: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} أي بعد إصلاح اللهِ لها بِبَعث الرُسُل، وبعد عُمْرانها بطاعة اللهِ تعالى، {وَادْعُوهُ} سبحانه {خَوْفًا} مِن عقابه {وَطَمَعًا} في ثوابه، (وفي هذا رَدٌّ على مَن يَزعمون أنهم لا يعبدون اللهَ طمعًا في جنته ولا خوفًا من ناره، فقد أمَرَ اللهُ تعالى عباده بدعائه خوفًا وطمعًا، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم - وهو خيرُ الخلق - يقولُ في دعائه:(اللهم إني أسألك الجنة وما قرَّبَ إليها مِن قولٍ أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرَّبَ إليها مِن قولٍ أو عمل ) ) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما سألَ رجلٌ مُسلِمٌ اللهَ الجنة ثلاثًا، إلا قالت الجنة:(اللهم أدْخِله الجنة) ، ولا استجارَ رجلٌ مُسلِمٌ اللهَ من النار ثلاثًا، إلا قالت النار: (اللهم أجِرْهُ مِنِّي ) ) (انظر صحيح الجامع حديث رقم: 5630) .

{إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} الذين يُحسنون أعمالهم ونِيَّاتِهِم، وذلك بمراقبتهم للهِ تعالى في كل أحوالهم، ومِن ذلك إحسان الدعاء بإخلاصه وإتقانه، (واعلم أنّ الإحسانُ - كما ذَكَرَ النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مُسلِم:"أنْ تعبُدَ اللهَ كأنك تراه، فإنْ لم تكن تراهُ، فإنه يَراك"، والمقصود بذلك أن تَتق اللهَ قدرَ ما تستطيع، قال تعالى:(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ، فكلما كانَ العبدُ أكثرَ إحسانًا وتقوى، كلما كانَ أقرب إلى رحمة ربه).

? وقد كان من المُتوقَّع أن يَذكر اللهُ تعالى كلمة (قريب) بصيغة المُؤنَّث، كأنْ يُقال مَثَلًا: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌة مِنَ الْمُحْسِنِينَ} ، لأنها جاءت مع كلمة (رحمة) المؤنثة، إلا إنها جاءت بصيغة المُذكَّر، وأحسن ما قِيلَ في ذلك أنَّ كَلِمَتَي (قريب وبعيد) إذا جاءا مع النَسَب والقَرابة، فإنه يَجب تذكيرهما مع المُذكَّر وتأنيثهما مع المُؤنَّث، مِثل: (زيد قريب عمر، وعائشة قريبة بكر) ، وأما إذا جاءا مع غير النسب والقرابة، فإنه يجوز أن يأتيا بصيغة المُذكَّر كما يجوز أن يأتيا بصيغة المُؤنَّث، كما قال تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} ، وقال تعالى: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} ، فذكَرَ لفظَي (قريب وبعيد) بصيغة المُذكَّر مع أنّ الوصف كان لِمُؤنَّث، وذلك لأنهما جاءا مع غير النسب والقرابة.

الآية 57: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} يعني: واللهُ تعالى هو الذي يُرسل الرياح الطيبة التي تُبَشِّر الخَلق بقُرب نزول رحمة الله (والمقصود برحمة الله هنا: المطر الذي تثيره الرياح بإذن اللهِ تعالى) ، {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا} : يعني حتى إذا حَمَلت الريحُ السحابَ المُحَمَّل بالمطر: {سُقْنَاهُ} : أي سُقنا السحاب {لِبَلَدٍ مَيِّتٍ} قد جَفَّتْ أرضُهُ و أشجاره وزَرْعُه، {فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} ، {كَذَلِكَ} : يعني كما نُحيي هذا البلد الميت بالمطر: {نُخْرِجُ الْمَوْتَى} مِن قبورهم أحياءً بعد موتهم، وقد أراكُمُ اللهُ تعالى هذا الفِعل - وهو إحياء الأرض بالماء - {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} : أي لعلكم تتعظون، فتستدلوا على قدرة اللهِ تعالى على البَعث، فإنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت