الرَجْفة)، ونزلتْ عليهم مِن الظُلَة صاعقة (وهي الصَيْحة) فأهلكتهم، هذا إن قلنا بأنّ مَدْيَن وأصحاب الأيْكة هما أمَّة واحدة، وإن لم يكونوا أمَّة واحدة، فإنّ أصحاب الأيْكة قد أصابهم عذاب الظُلَّة، وأصحاب مَدْيَن قد أُصِيبوا بالرَجْفة مِن تحتهم، وبالصيحة مِن فوقهم، واللهُ أعلم.
الآية 92: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} يعني كأنهم لم يُقيموا في ديارهم ولم يتمتعوا فيها زمنًا طويلًا، حيث هَلَكوا عن آخرهم فلم يَبق لهم أثر، {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} في الدنيا والآخرة.
الآية 93: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ} : أي فانصرف شعيب عن قومه - حين حَلَّ بهم الهلاك - ثم نظر إليهم وهم هَلكَى، {وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي} أي أبلغتكم ما أمرني ربي بإبلاغه مِن توحيده وأمْره ونهْيه، {وَنَصَحْتُ لَكُمْ} بالدخول في دين اللهِ والإقلاع عَّمّا أنتم عليه، فلم تسمعوا ولم تطيعوا، {فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} : يعني فكيف أحزن على قومٍ جحدوا وحدانية اللهِ وكَذَّبوا رُسُله؟
الآية 94، والآية 95: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ} يَدعوهم إلى عبادة اللهِ، وينهاهم عمَّا هُم فيه مِن الشِرك: {إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا} المكذبينَ {بِالْبَأْسَاءِ} : يعني أصَبْناهم بالفقر، {وَالضَّرَّاءِ} : أي وأصَبْناهم بالأمراض وأنواع البَلايا، وذلك {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} : أي حتى يتذللوا لنا بالدعاء ويرجعوا إلى الحق، لنصرف عنهم ذلك الابتلاء، فلم يفعلوا.
{ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ} الحالةِ {السَّيِّئَةِ} التي أصابتهم: الحالةَ {الْحَسَنَةَ} فجعلنا بدل الفقر: الغنى، وبدل الخوف: الأمن، وبدل المرض: الصحة، {حَتَّى عَفَوْا} : يعني حتى أصبحوا في عافيةٍ في أبدانهم، وسَعَةٍ في أموالهم، وذلك إمهالًا لهم لعلهم يشكرون، فلم ينفع كل ذلك معهم، ولم ينتهوا عمَّا هم فيه، {وَقَالُوا} : {قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ} (فهذه إذًا هي عادة الزمن في أهله: يومٌ خير ويومٌ شر) {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} : أي فأخذناهم بالعذاب فجأة وهم آمِنون، لا يَخطر لهم الهلاك على بال.
الآية 96: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا} أي صدَّقوا رُسُلهم واتَّبعوهم واجتنبوا ما نهاهم اللهُ عنه: {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} أي لَفَتَحنا عليهم أبواب الخير والرزق من كلِّ مكان، {وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي فعاقبناهم بالعذاب المُهلِك بسبب كفرهم ومعاصيهم، (واعلم أنّ قوله تعالى:(لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ) دليلٌ على جواز قول القائل لأخيه: (الله يفتح عليك) إذ لا حَرَجَ من ذلك).