الآية 166: {فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ} : يعني فلما تمَرَّدتْ الطائفة العاصية، ولم تتعظ من ذلك العذاب الذي أصابها، واستمروا على اعتدائهم في يوم السبت: {قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} : يعني إنّ اللهَ تعالى مَسَخَهم قِرَدةً ذليلين.
الآية 167: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} : يعني واذكر أيها الرسول للناس إعلام ربك وإعلانه بأنه سوف يُسَلِّط على اليهود مَن يُذيقهم أسوأ العذاب والإذلال إلى يوم القيامة، (عقوبةً منه سبحانهُ على خُبث نواياهم وسُوء أفعالهم) ، {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ} لِمَن استحق عقابه بسبب كُفره ومعصيته، {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ} لِمَن تاب إليه مِن اليهود وغيرهم {رَحِيمٌ} بهم، حيثُ قَبِلَ توبتهم.
الآية 168: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا} يعني: وفرَّقنا بني إسرائيل في الأرض جماعات، فـ {مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ} : أي منهم القائمونَ بحقوق اللهِ وحقوق عباده، {وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ} : أي ومنهم المُقصِّرون الظالمون لأنفسهم، {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ} : يعني واختبرنا هؤلاء الظالمين المُقصرين بالرخاء في العيش والسَّعَة في الرزق، واختبرناهم أيضًا بالمصائب والشدة في العيش {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} إلى طاعة ربهم وينتهونَ عن معصيته.
الآية 169: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ} : أي فجاء مِن بعد هؤلاء اليهود - الذين وَصَفهم اللهُ في الآية السابقة: {خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ} : أي خَلَفُ سُوء، وَرِثوا التوراةَ عن أسلافهم، فقرؤوها ولكنهم لم يَلتزموا بما فيها، فكانوا يُفَضِّلونَ الدنيا على الآخرة، و {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى} : أي يأخذون ما يَعْرِضُ لهم مِن دَنِيء المكاسب، كالرشوة وغيرها، {وَيَقُولُونَ} - مع هذا العِصيان والإصرار: {سَيُغْفَرُ لَنَا} : يعني إنّ اللهَ سَيَغفر لنا ذنوبنا - وهمُ يَكذبون على اللهِ بهذه الأمنيات الباطلة -، فقد قال تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} ، طبعًا إلا لو تابَ العبدُ وقَبِلَ اللهُ توبته.
{وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} : يعني وإن يأتِ هؤلاء اليهودَ متاعٌ زائلٌ من أنواع الحرام، يأخذوه ويَستحِلُّوه، فقال تعالى مُوَبِّخًا لهم: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ} وهي العهود التي أخذها اللهُ عليهم في التوراة بـ {أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} - فقد زعموا بأنّ اللهَ سَيَغفر لهم، رغم إصرارهم واستحلالهم للذنب وعدم توبتهم منه - {وَدَرَسُوا مَا فِيهِ} : أي وقد عَلِموا ما في الكتاب، ثم تركوا العمل به، وخالَفوا عَهْدَ اللهِ إليهم؟ {وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} فيَمتثلون أوامر ربهم، ويَجتنبون نَواهيه، {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أيها اليهود - يا مَن تُؤثِرون الحياة الدنيا على الآخرة - أنّ ما عند اللهِ خيرٌ وأبقى؟