لآدم وحوَّاء وذريتهما: {فِيهَا تَحْيَوْنَ} أي: في الأرض تقضونَ أيام حياتكم الدنيا {وَفِيهَا تَمُوتُونَ} {وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} : أي ومنها يُخْرجكم ربكم أحياءً يوم البعث للحساب والجزاء.
الآية 26: {يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ} أي يَستر عوراتكم (وهو لباس الضرورة) ، {وَرِيشًا} : أي وجعلنا لكم لباسًا للزينة والتجمل، {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} يعني: ولباسُ تقوى اللهِ تعالى - بفعل الأوامر واجتناب النواهي - هو خيرُ لباسٍ للمؤمن في حِفظ العورات والأجسام والعقول والأخلاق، {ذَلِكَ} الذي مَنَّ اللهُ به عليكم هو {مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ} الدالة على قدرته وفضله ورحمته بعبادهِ {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي لعلهم يَتذكرونَ ويَتَّعظون، فيشكروا اللهَ تعالى على هذه النعم بتوحيده وطاعته.
? واعلم أنّ قوله تعالى: {أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا} يُفهَم منه أنّ إنزال اللّباس كان من السماء، ولعل ذلك يعود إلى أمور، منها: أنّ آدم عليه السلام هو أوّل مَن سَتَرَ عورته بورق التين من شجر الجنة، ومنها: أنّ آدم نزل من السماء مَكْسُوًّا وورث عنه أولاده ذلك، ومنها: أنّ الماء الذي يَخرج بسببه القطن والكِتَّان قد نزل من السماء، (وحتى الأنعام ذَوات الصوف والوَبَر والريش(كالغنم والإبل والنعام) حياتها متوقفة على ماء السماء)، واللهُ أعلم.
الآية 27: {يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ} أي لا يَخدعنَّكم الشيطان، فيُزَيِّن لكم المعصية، ويدعوكم إليها {كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} : أي كما زيَّنها لأبويكم آدم وحواء، فأخرجهما بسببها من الجنة، {يَنْزِعُ} : أي وقد تسَبَّبَ في أن نُزِعَ {عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا} الذي سَتَرهما اللهُ به، وقد فعل الشيطان ذلك {لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا} : أي لتنكشف لهما عوراتهما.
? واعلمْ أنّ اللهَ تعالى قد ذَكَرَ الفِعل: {يَنْزِعُ} بصيغة المضارع، بعد أن كانَ سِياق الآية بصيغة الماضي، لِيُوَضِّحَ أنّ الشيطان قد بذل جهده في وسوسته لهما وتزيينه للمعصية، وأنه استمر في المكر والخَديعة حتى أوقعهما في الخطيئة،) لأنّ الفِعل المضارع يدل على الاستمرارية (، وفي هذه الآية دليل على حِرص الشيطان على أن يكشف الآدَمِيُّ عورته، لِمَا يَتبع ذلك من الفِسق والفجور.
? وقال تعالى - مُنَبِّهًا بني آدم على خطورة عدوهم: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} : يعني إنّ الشيطان يُراقبكم على الدَوام، ويراكم هو وذريته وجنوده من الجن، وأنتم لا ترونهم فاحذروهم - بالاستعاذة الفورية مِن وسوستهم -، ولا تغفُلوا عن المواضع التي يَدخلون إليكم منها، {إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ} أي نُصَراء وأحِبَّاء {لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} لأنّ قلوب الكافرين متهيئة لقبول ما توسوس به الشياطين من أنواع الشِرك والمعاصي وإضلال الناس، فلذلك كانوا أولياءَ لهم.