ومن ثمّ كانت عناية الإسلام الأولى موجهة إلى تحرير أمر العقيدة، وتحديد التصوّر والاعتقاد الذي يستقرّ عليه الضمير في أمر الله وصفاته، وعلاقته بالخلائق وعلاقة الخلائق به على وجه القطع واليقين.
وكان من رحمة الله بالعباد إنقاذهم من الحيرة، وإخراجهم من الضلال إلى الهدى بهذا الدين الحنيف بما فيه من جمال وبساطة، ووضوح وتناسق وسهولة ويسر، وتجاوب مع الفطرة.
لقد فشل العقل الإنساني في أغلى وأعلى صوره الفكرية والفلسفية في الوصول لأبسط المعاني المبثوثة في قوله تعالى"الحمد لله رب العالمين"..
ففي حين يصل (أرسطو) - من كبار أعلام الفلسفة القديمة والمعلم الاول عندهم - إلى أن الله هو المحرك الأول لكل شئ الذي لا يتحرك ولا يتغير .. ثم إن الإلاه عند أرسطو (عقلٌ محض"بلا صفات ولا أسماء يظهر أثرها على مخلوقاته، فلا تعلق له بهذه المخلوقات .. فهو منزه عن علم الكون، ومنفي عنه تدبير العالم، لكونه عقل محض .. إله أرسطو يعقل ذاته ويعلم ذاته ويرى ذاته ولا تعلق له بما سواه من الحوادث(المخلوقات) .. فهو إله يعلم الكليات ولا يعلم ما يحدث لخلقه من التفاصيل التي يتعالى عن أن يعلمها .. هذا الإله البعيد عن خلقه الغائب عنهم هو أقصى ما أنتجه العقل البشري من فكر .."
ولكن الله تعالى يقرر لنا في أول كلامه العظيم أنه"الله رب العالمين"الخالق لهم الرازق المدبر العليم بهم ... {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7) } [المجادلة: 7] .. يعلم سبحانه ويدبر ويهدي ويسمع ويرى وهو في عليائه - سبحانه - وفوق سمائه .. له صفات الكمال كلها، كما ينبغي لجلاله وجماله، لا يشبه خلقه ولا يشبهه خلقه، وهو كما قال في وصف كماله سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12) شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ .. } [الشورى: 11 - 13] .. هذا الاعتقاد الراقي في الإله واجب الوجود تعالى .. وهذا ما رسمه القرآن بحروف من نور في قلوب المؤمنين في أول ما طالع به البشرية من كتابه الخاتم .. ثم وقف سامقًا يصحح للدنيا كلها عقيدتها في الإله الخالق العظيم، وهذه بذاتها نقطة تستوجب الحمد لله رب العالمين ...
ولا أحب أن أدع هذا المقام يمر دون أن أذكر كلماتٍ قرأتها لأحد هؤلاء الذين هداهم الله لنور طريقه فأسلموا لله وعرفوا حقيقة فوقية هذا الاعتقاد العظيم الشريف في الله سبحانه يقول