الصفحة 17 من 57

الْكَلَامِ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنَ الْعَبْدِ، وَالدُّنْيَا مِنَ اللَّهِ، وَكِلَاهُمَا مِنَ اللَّهِ فِي الْأَصْلِ، الدُّنْيَا مِنْهُ وَالْكَلِمَةُ مِنْهُ، أَعْطَاهُ الدُّنْيَا فَأَغْنَاهُ، وَأَعْطَاهُ الْكَلِمَةَ فَشَرَّفَهُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ [1] .

وَرُوِيَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

[والحمد أعمّ من الشكر لأنّ الشكر لا يكون إلّا جزاء على نعمة، والحمد يكون جزاء على نعمةٍ كالشكر، ويكون ثناءً على ذات وأوصاف المحمود ابتداء، كما أنّ الشكر قد يكون أعم من الحمد، لأن الحمد باللسان فقط، والشكر يكون باللسان والقلب، والجوارح.

فإذا فهمت عموم الحمد: علمت أنّ قولك:"الحمد لله"يقتضي الثناء عليه - سبحانه - لما هو عليه من الجلال والعظمة والوحدانية والعزة والإفضال والعلم والمقدرة والحكمة وغير ذلك من الصفات، ويتضمن معاني أسمائه الحسنى جميعها، ويقتضي شكره والثناء عليه بكل نعمةٍ أعطى ورحمةٍ أولى جميع خلقه في الآخرة والأولى .. فيا لها من كلمة جمعت ما تضيق عنه المجلدات .. ويكفيك أن الله جعلها أوّل كتابه، وآخر دعوى أهل الجنة"وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين".

وإن الشكر باللسان هو الثناء على المنعم والتحدث بالنعم، والشكر بالجوارح هو العمل بطاعة الله وترك معاصيه، والشكر بالقلب هو معرفة مقدار النعمة، والعلم بأنها من الله وحده، والعلم بأنها تفضل من الله تعالى لا باستحقاق العبد لها.

واعلم أن النعم التي يجب الشكر عليها لا تحصى، ولكنها تنحصر في ثلاثة أقسام:

نعم دنيوية: كالعافية والمال، ونعم دينية: كالعلم، والتقوى. ونعم أخروية: وهي جزاؤه بالثواب الكثير على العمل القليل في العمر القصير.

والناس في الشكر على مقامين: منهم من يشكر على النعم الواصلة إليه خاصةً، ومنهم من يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة إلى جميعهم.

والشكر على ثلاث درجات: فدرجات العوام: الشكر على النعم، ودرجة الخواص: الشكر على النعم والنقم وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص: أن يغيب عن مشاهدة النعمة بمشاهدة المنعم سبحانه ..

قال رجل لإبراهيم بن أدهم: من خير الناس؟ قال: الفقراء (أى الزهاد) .. إذا مُنعوا شكروا. وإذا أُعطوا آثروا على خلق الله أنفسهم.

(1) راجع تفسير القرطبي عند تفسيره آية الحمد من الفاتحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت