الصفحة 18 من 57

ومن فضيلة الشكر أنه من صفات الحق سبحانه، فإنّ من أسماء الله: الشاكر والشكور،) ا. ه. [1]

وفي التعبير ب"الحمد لله رب العالمين"من البراعة الأدائية والتركيب البلاغي ما يعجز عنه اللسان .. فأنت تجد استغراق كل المحامد، بكل أنواعها وأجناسها في معنى (ال) التي هى للاستغراق عند أهل اللغة ..

ثم إن َهَذِهِ الْجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ وَلَكِنَّهَا اسْتُعْمِلَتْ لِإِنْشَاءِ الْحَمْدِ ..

فَأَمَّا مَعْنَى الْخَبَرِيَّةِ فَهُوَ إِثْبَاتُ أَنَّ الثَّنَاءَ الْجَمِيلَ فِي أَيِّ أَنْوَاعِهِ تَحَقُّقٌ، فَهُوَ ثَابِتٌ لَهُ تَعَالَى وَرَاجِعٌ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِكُلِّ مَا يَحْمَدُ عَلَيْهِ الْحَامِدُونَ فَصِفَاتُهُ أَجَلُّ الصِّفَاتِ، وَإِحْسَانُهُ عَمَّ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ، وَلِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْحَمْدُ مِمَّا سِوَاهُ فَهُوَ مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، إِذْ هُوَ مَصْدَرُ الْكَوْنِ كُلِّهِ، فَيَكُونُ لَهُ ذَلِكَ الْحَمْدُ أَوَّلًا وَآخرًا. وَالْخُلَاصَةُ: أَنَّ أَيَّ حَمْدٍ يَتَوَجَّهُ إِلَى مَحْمُودٍ مَهما كان لجميلٍ فعله فَهُوَ لِلَّهِ تَعَالَى أولا، سَوَاءٌ لَاحَظَهُ الْحَامِدُ ذلك أَوْ لَمْ يُلَاحِظْهُ.

وَأَمَّا مَعْنَى الْإِنْشَائِيَّةِ فَهُوَ أَنَّ الله يعلِّم عباده حمده ليهديهم لأعظم أنواع العبادات المقربة من رب الأرضين والسموات، فكأن المعنى (قولوا الحمد لله رب العالمين) .. فقَوْله سبحانه: {الْحَمد لله} حمد نَفسه، وَأمر الْعباد أَن يحمدوه.

وبذلك تستقصي الجملة بأسلوبها الثابت ثبوت الجبال والمستغرق الشامل ..

تستقصي الحقيقة الثانية الأهم في حياة المسلم بعد (البسملة) ..

فإذا كان لزاما على المسلم أن يعلم أن الحياة كلها والوجود كله يسير (بسم الله الرحمن الرحيم) ..

فإن عليه أن يوقن أن الحمد بكل صوره وفي كل وقت وحين هو لله تعالى وحده على ذاته وصفاته وأفعاله .. وأن يكون شعاره في كل وقت وحين وتحت كل الظروف (الحمد لله رب العالمين) ...

قال في الظلال: والحمد لله هو الشعور الذي يفيض به قلب المؤمن بمجرد ذكره لله .. فإن وجوده ابتداءً ليس إلا فيضًا من فيوضات النعمة الإلهية التي تستجيش الحمد والثناء.

وفي كل لمحةٍ، وفي كل لحظة، وفي كل خطوة تتوالى آلاء الله وتتواكب وتتجمع، وتغمر خلائقه كلها وبخاصة هذا الإنسان ..

(1) تفسير ابن جزي = التسهيل لعلوم التنزيل (1/ 64)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت