ومن ثَم كان الحمد لله ابتداءً، وكان الحمد لله ختامًا قاعدة من قواعد (عقيدة المسلم الثابتة في الحس المتنامية في الفعل) [1] : «وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ ... » . ومع هذا يبلغ من فضل الله- سبحانه- وفيضه على عبده المؤمن، أنه إذا قال: الحمد لله. كتبها له حسنة ترجح كل الموازين. ا. ه.
فمن حديث أنس بن مالك - رضى الله عنه - كما في المسند يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأُكْلَةَ، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ، فَيَحْمَدَ اللهَ عَلَيْهَا".
"الحمد لله رب العالمين"
قال السعدي في تفسيره: والرب، هو المربي جميع العالمين -وهم من سوى الله- بخلقه إياهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها، لم يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة، فمنه تعالى. وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة.
فالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم، التي فيها بقاؤهم في الدنيا.
والخاصة: تربيته لأوليائه، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكمله لهم، ويدفع عنهم الصوارف، والعوائق الحائلة بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر.
ولعل هذا [المعنى] هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب. فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة. فدل قوله {رَبِّ الْعَالَمِينَ} على انفراده سبحانه بالخلق والتدبير، والنعم، وكمال غناه، وتمام فقر العالمين إليه، بكل وجه واعتبار. ا. ه.
أقول: والحقيقة أن هذه الآية العظيمة تضع بين أيدينا ونصب أعيينا صورة من صور التوحيد ووجها من وجوهه التي لا يكتمل إلا بها .. فأهل السنة متفقون أن التوحيد له وجهان لا يتم إلا بهما: التوحيد العلمي الخبري، والتوحيد القصدي العملي ..
فمن التوحيد العلمي الخبري: توحيد الربوبية أي توحيد الله ربًا خالقًا رازقًا مدبرًا قيومًا على خلقه .. قال العلامة ابن أبي العز: وَهَذَا التَّوْحِيدُ حَقٌّ لَا رَيْبَ فِيهِ، وَهُوَ الْغَايَةُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالْكَلَامِ وَطَائِفَةٍ مِنَ الصُّوفِيَّةِ، وَهَذَا التَّوْحِيدُ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى نَقِيضِهِ طَائِفَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، بَلِ الْقُلُوبُ مَفْطُورَةٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ أَعْظَمَ مِنْ كَوْنِهَا مَفْطُورَةً عَلَى الْإِقْرَارِ بِغَيْرِهِ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ، كَمَا قَالَتِ الرُّسُلُ فِيمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ} [سورة إِبْرَاهِيمَ: 10] ا. ه. [2]
(1) ما بين القوسين هو من كلامي استبدلته بكلام سيد قطب رحمه الله ضبطا للألفاظ والتعبيرات في إطار التعبير السليم الذي لا تشتته نزعة سيد قطب الأدبية التي تجعل عباراته أحيانا تتجافاها روح العلم والاعتقاد الصحيح .. وستجد هذا في كثير من نقولاتي .. فإن الامر دين .."وما أبرئ نفسي ...".
(2) شرح الطحاوية - ط دار السلام (ص: 79) .