الصفحة 22 من 57

فَعُلِمَ أَنَّ التَّوْحِيدَ الْمَطْلُوبَ هُوَ تَوْحِيدُ الْإِلَهِيَّةِ 1، الَّذِي يَتَضَمَّنُ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة الروم: 30] ....

فَلَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، الَّذِي يُقِرُّ بِهِ هَؤُلَاءِ النُّظَّارُ، وَيَفْنَى فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ، وَيَجْعَلُونَهُ غَايَةَ السَّالِكِينَ، كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ مُنَازِلِ السَّائِرِينَ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ إَنْ لَمْ يَعْبُدِ اللَّهَ وَحْدَهُ وَيَتَبَرَّأْ مِنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ كَانَ مُشْرِكًا مِنْ جِنْسِ أَمْثَالِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ تَقْرِيرِ هَذَا التَّوْحِيدِ وَبَيَانِهِ وَضَرْبِ الْأَمْثَالِ لَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُقَرِّرُ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ أَنْ لَا يُعْبَدَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَجْعَلُ الْأَوَّلَ دليلا على الثاني، إذ كانوا يسلمون [في] الْأَوَّلَ، وَيُنَازِعُونَ فِي الثَّانِي، فَيُبَيِّنُ لَهُمْ سُبْحَانَهُ أَنَّكُمْ إِذَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا خَالِقَ إلا الله وحده، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَأْتِي الْعِبَادَ بِمَا يَنْفَعُهُمْ، وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ مَا يَضُرُّهُمْ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَلِمَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، وَتَجْعَلُونَ مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى؟ ... وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة البقرة: 21] ... ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.) ا. ه. [1]

قلت:

وهكذا يضع القرآن العظيم في أول احتكاكه المباشر مع حياة المسلم في كل الأزمان والأمكنة القواعد الأولى لإصلاح الحياة والأحياء على أسس ربانية نورانية .. وذلك بتصحيح علاقة هذا المخلوق الضعيف الذي كرمه الله تعالى فخلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شئ، ثم شرفه بمعرفته سبحانه .. يصحح الله له تلك العلاقة بينه سبحانه وبين عباده والتي يفسدها الشيطان الحسود بين آن وآخر .. لينطلق بعدها هذا الإنسان على نور التوحيد يصلح ويغرس ويبني ويعمر ...

وسورة الفاتحة قد استوفت كل هذه الكليات من المعاني في طياتها فكانت النموذج القرآني الكامل لتعليم العباد العلم الأرقى في حياة الإنسانية (علم التوحيد) الذي به يستنقذ الله تعالى الإنسان من الانحطاط المهين والارتكاس اللعين في عبودية غير الله من البشر والشجر والحجر ... وهذا هو المعنى الذي تفهمه جيدا الرعيل الأول من أفاضل المؤمنين بالإسلام .. جيل الصحب المحمدي الفريد ... ونحن نقر لهم بهذا الفهم الثاقب لنعمة التوحيد في أقوالهم وأفعالهم ..

(1) شرح الطحاوية - ط دار السلام (ص: 83)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت