الصفحة 25 من 57

فما وجه المناسبة بين هذا الاستهلال واختلاف التعقيب بعده مع السورة التي ورد فيها؟

ذكر السيوطي في الاتقان:

فِي تَفْسِيرِ الْخُوَيِّيِّ يقول: ابْتُدِئَتِ الْفَاتِحَةُ بِقَوْلِهِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فَوَصَفَ بِأَنَّهُ مَالِكُ جَمِيعِ الْمَخْلُوقِينَ .. وَفِي الْأَنْعَامِ وَالْكَهْفِ وَسَبَأٍ وَفَاطِرٍ لَمْ يُوصَفْ بِذَلِكَ؛ بَلْ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ صِفَاتِهِ، وَهُوَ خلق السموات وَالْأَرْضِ وَالظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ فِي الْأَنْعَامِ، وَإِنْزَالِ الْكِتَابِ فِي الْكَهْفِ، وَمِلْكِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الْأَرْضِ فِي سَبَأٍ، وَخَلْقِهِمَا فِي فَاطِرٍ .. لِأَنَّ الْفَاتِحَةَ أُمُّ الْقُرْآنِ وَمَطْلَعُهُ فَنَاسَبَ الْإِتْيَانَ فِيهَا بِأَبْلَغِ الصِّفَاتِ وَأَعَمِّهَا وَأَشْمَلِهَا.] انتهى.

أقول: لقد تناسب هذا الاستهلال الرائع بالفعل مع موضوع السورة التي ورد فيها فجاء الاستهلال مكتملًا مع معاني السورة متناسقا بكل دقةٍ وبراعةٍ يؤكدها ما عقّبت به الآية بعد"الحمد لله"...

ففي أم الكتاب كان أول القرآن وفاتحته فناسب ذلك افتتاحها بالحمد لله الذي يربُّ العالمين فيصلحهم ويربيهم بنعمه وهداياته المتعددة النابعة من رحمانيته العامة الشاملة ..

وفي سورة الأنعام التي يتمحور مضمونها العام حول دلائل التوحيد وإثباته لله تعالى وحده ودحض شبه المشركين ومناقشتهم .. فناسب ذلك البدء بالحمد وذكر الدليل الأول على وحدانية الله تعالى وهو الخلق الذي يشهد له سبحانه ببديع الصنعة وبيان ما نصبه من نور الحق وما يدحضه من ظلمات الباطل ..

وأما سورة الكهف فكذلك لبنائها على قصة أصحاب الكهف وذكر ذى القرنين وهى مما سأله المشركون أو اليهود لرسول الله يطلبون تعجيزه .. فكان القرآن سنده الرباني العظيم في إثبات أنه الحق من رب العباد لا عوج فيه ولا مطعن لبشر .. فناسب ذلك الحمد لله على ما أنزله على عبده ليكون معجزته الكبرى وهدايته العظمى التي لا يقوى أمامها طعن أو اعتراض.

وأما سورة سبأ فإن فيها قصة سبأ فلما تضمنت ملك سبأ وملكتها بلقيس، و ما تضمنته من قصص داود وسليمان عليهما السلام وما منحهما الله سبحانه وتعالى من الملك؛ من تسخير الجبال والطير والجن وإلانة الحديد .. ولم يجتمع مثل هذا في سورة سواها .. افتتحها سبحانه بحمده وانفراده بملك السماوات والأرض وما فيهما وأنه أهل الحمد في الدنيا والآخرة، وأن الملك كله لله يهبه لمن يشاء؛ فقال تعالى:"الحمد لله الذى له ما في السماوات وما في الأرض".

وأما سورة فاطر فإن الله تعالى بيّن فيها من صفات ربوبيته ودلائل وحدانيته من إبداع السماوات والأرض، ومن خلق عمّار السماوات من الملائكة على عظيم خلقهم، وجعلهم رسلًا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع، وإمساكه السماوات والأرض أن تزولا وغير ذلك من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت