قال شمس الدين بن القيم: ولهذا كان العبد مأمورا في كل صلاة أن يقول:
"إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ".. والشيطان يأمر بالشرك، والنفس تطيعه في ذلك، فلا تزال النفس تلتفت إلى غير الله، إما خوفا منه، أو رجاء له، فلا يزال العبد مفتقرا إلى تخليص توحيده من شوائب الشرك، ولذا أخبر سبحانه عن المشركين أنهم ما قدروه حق قدره في ثلاثة مواضع من كتابه، وكيف يقدره حق قدره من جعل له عِدْلا ونِدا يحبه، ويخافه، ويرجوه، يذل ويخضع له، ويهرب من سخطه، ويؤثر مرضاته، والمؤثر لا يرضى بإيثاره .. انتهى.
(فائدة) قال بعض السلف: الفاتحة سرّ القرآن، وسرّها هذه الكلمة"إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ": فالأول تبرّؤ من الشرك، والثاني تبرّؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله عزّ وجلّ. وهذا المعنى في غير آية من القرآن كما قال تعالى:"فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ" [هود: 123] ،"قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا" [الملك: 29] ،"رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا" [المزمل: 9] .) ا. ه. [1]
قلت: ففي هذه اآية العظيمة دستور العلاقة الصحيحة بين العبد وربه سبحانه لذلك قال الله فيها في حديث القدسى عن الفاتحة"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"ثم قال في هذه الآية:"هذه بيني وبين عبدي".. ولكي يتضح هذا المعني أكثر نقرأ سويةً ما قاله العلامة البقاعي:
(لما استجمع الأمر في استحقاق الله تعالى للحمد وحده دون سواه .. وفي تحبيب خلقه وترغيبهم في رحمته العامة والخاصة وترهيبهم من يوم الحساب والجزاء(في الآيات الأولى من الفاتحة) .. كان من شأن كل ذي عقلٍ وفهمٍ الإقبال إليه وقصر الهمم عليه ..
فقال ربنا منتقلًا من أسلوب الغيبة إلى أسلوب الخطاب .. ومقدمًا للوسيلة (عبادة الله وقصده كما ينبغي وكما علمنا) على طلب الحاجة (الاستعانة به سبحانه في كل أمورنا) لأنه أجدر بالإجابة .. قال الله تعالى يعلمنا فقه المعاملة معه تعالى: {إياك} أي يا من هذه الصفات صفاته (الله الرحمن الرحيم ملك يوم الدين) ! {نعبد} ؛ ومعنى {نعبد وإياك نستعين} إشارةً لطيفةً إلى أن عبادته لا تتهيأ إلا بمعونته، وإلى أن ملاك الهداية بيده سبحانه وحده ..
فعلم العباد العجز عن الوفاء بحق الله تعالى فطلبوا الإعانة، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي عن عائشة رضى الله عنها: «أعوذ بعفوك
(1) تفسير القاسمي = محاسن التأويل (1/ 228)