من عقوبتك، وبرضاك من سخطك، وبك منك» ثم أتبعه فيما زاد عن النسائي الاعتراف بالعجز في قوله: «لا أحصي ثناء عليك أنت أثنيت على نفسك» .
قال الحرالي: وهذه الآيات هي من كلام الله عما كان يجب أن ينطق (المؤمنون) على اختلاف ألسنتهم وأحوالهم وترقي درجاتهم ورتب تفاضلهم مما لا يمكنهم البلوغ إلى حقيقته ووصفه لقصورهم وعجزهم ..
فتولى الله - الوكيل على كل شيء- الإخبار عنهم بما كان يجب عليهم مما لا يبلغ إليه عقولهم ووصفهم ..
وجعل تلاوتهم لما أخبر به سبحانه على ألسنتهم نازلًا لهم منزلة (نطقهم بهذه المعاني العظيمة) لطفًا بهم وإتمامًا للنعمة عليهم ..
لأنه تعالى لو وكلهم في ذلك إلى أنفسهم لم يأتوا بشيء تصلح به أحوالهم في دينهم ودنياهم، ولذلك لا يستطيعون شكر هذه النعمة إلا أن يتولى هو تعالى بما يلقنهم من كلامه مما يكون أداء لحق فضل الله عليهم ..
وإذا كانوا لا يستطيعون الإخبار عن أنفسهم بما يجب عليهم من حق ربهم فكيف بما يكون خبرًا عن تحميد الله وتمجيده، فإذًا ليس لهم ملجأً إلا تلاوة كلامه العلي بفهمٍ كان ذلك أو بغير فهم، وتلك هي صلاتهم المقسمة التي عبر عنها فيما صح عنه علية الصلاة والسلام من قوله تعالى:
«قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» ثم تلا هذه السورة؛ فجاءت الآيات الثلاث الأول بحمد الله تعالى نفسه، فإذا تلاها العبد قبل الله منه تلاوة عبده كلامه وجعلها منه حمدًا وثناء وتمجيدًا، وجاءت هذه الآيات"إياك نعبد وإياك نستعين".. على لسان خلقه فكان ظاهرها التزام عُهَد العبادة وهو ما يرجع إلى العبد؛ وعمادها طلب المعونة من الله سبحانه وهو ما يرجع إلى الحق، فكانت بينه وبين عبده ..
وفي قوله: {نعبد} بنون الاستتباع (نون الجمع) إشعار بأن الصلاة وعبادة الله تعالى بنيت على الاجتماع (قلت: وذلك قوله تعالى يأمرنا بالاجتماع على عبادته وتوحيده"واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا"فالإسلام دين الجماعة لا الفرقة .. ولكنها الاجتماع على توحيد الله وصحيح الاعتقاد فيما جاءت به رسله) . انتهى. [1]
هذا الدين كان وسيظل شعاره ومبدأه وقاعدته التي لا تتزحزح ومنحى رسالته الأول هو ...
"لا إله إلا الله ... محمد رسول الله"
(1) من كتاب البقاعي الرائع نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (1/ 33) بتلخيص وتصرف في اللفظ لتقعره.