الصفحة 44 من 57

"اهدنا الصراط المستقيم"...

معنى آخر وأساس مهم جدا من أسس بناء عقيدة المسلم .. ورسم معالم سيره في الحياة على نورٍ من الله تعالى .. ذلك الإحساس واليقين المتجذر في نفوس المؤمنين بأنهم الفقراء إلى الله المحتاجين في كل وقتٍ وحين للهداية الربانية والنور السماوي لينتشلهم من الضياع والهلاك؛ ويبين لهم طريق النجاة والفلاح ..

وهنا تتكون شخصية المسلم المستعدة لقبول التزكية الربانية كل لحظةٍ من لحظات حياتها لتنال الفلاح الذي عبر عنه اللفظ القرآني في سورة الشمس حين أقسم الله سبحانه بهذه النفس الغالية المكرمة تكريما إلهيا فقال سبحانه: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} .. فإن طريق النجاة الوحيد هو استعداد الانسان المستمر لتزكية نفسه وتخليصها من أدرانها وسوءاتها، ونبذ الركون إلى شهواتها وشبهاتها ودسها في غيها وفسادها ..

هذا المعنى لابد أن يتجدد في حياة المؤمن الذي يردد في يومه وليلته دائما هذا الدعاء الراقي الجميل البديع"اهدنا الصراط المستقيم"..

[فإن قيل فكيف يَسْأَلُ الْمُؤْمِنُ الْهِدَايَةَ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا وَهُوَ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ؟ فَهَلْ هَذَا مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ أَمْ لَا؟

فَالْجَوَابُ أَنْ لَا، وَلَوْلَا احْتِيَاجُهُ لَيْلًا وَنَهَارًا إِلَى سؤال الهداية لما أرشده الله تعالى إِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْعَبْدَ مُفْتَقِرٌ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَحَالَةٍ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي تَثْبِيتِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ وَرُسُوخِهِ فِيهَا وَتَبَصُّرِهِ وَازْدِيَادِهِ مِنْهَا وَاسْتِمْرَارِهِ عَلَيْهَا فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ .. فَأَرْشَدَهُ تَعَالَى إِلَى أَنْ يَسْأَلَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَنْ يَمُدَّهُ بِالْمَعُونَةِ وَالثَّبَاتِ وَالتَّوْفِيقِ ..

فَالسَّعِيدُ من وفقه الله تعالى لسؤاله، فإنه قَدْ تَكَفَّلَ بِإِجَابَةِ الدَّاعِي إِذَا دَعَاهُ؛ وَلَا سِيَّمَا الْمُضْطَرُّ الْمُحْتَاجُ الْمُفْتَقِرُ إِلَيْهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ" [النِّسَاءِ: 136] ..

فَقَدْ أَمَرَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْإِيمَانِ؛ وَلَيْسَ ذلك من باب تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ لِأَنَّ الْمُرَادَ الثَّبَاتُ وَالِاسْتِمْرَارُ وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْأَعْمَالِ الْمُعِينَةِ عَلَى ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.] ا. ه. [1]

يقول العلامة ابن أبي العز الحنفي في كتابه الماتع شرح الطحاوية:

(1) تفسير ابن كثير ط العلمية (1/ 53)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت