" {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} إذا هداه هذا الصراط، أعانه على طاعته وترك معصيته، فلم يصبه شر، لا في الدنيا ولا في الآخرة."
لكن الذنوب هي لوازم نفس الإنسان، وهو محتاج إلى الهدى كل لحظة، وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الطعام والشراب، ليس كما يقوله بعض المفسرين: إنه قد هداه، فلماذا يسأل الهدى؟ وأن المراد التثبيت، أو مزيد الهداية.
بل العبد محتاجٌ إلى أن يُعلِّمه الله ما يفعله من تفاصيل أحواله، وإلى ما يتركه من تفاصيل الأمور في كل يوم، وإلى أن يلهمه أن يعمل ذلك، فإنه لا يكفي مجرّد علمه، إن لم يجعله مريدًا للعمل بما يعلمه، وإلاَّ كان العلم حجة عليه، ولم يكن مهتديًا ..
والعبد محتاج إلى أن يجعله الله قادرًا على العمل بتلك الإرادة الصالحة ..
فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم .. وما لا نريد فعله تهاونًا وكسلًا مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه .. وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك .. وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله، فأمر يفوت الحصر .. ونحن محتاجون إلى الهداية التامّة، فمن كملت له هذه الأمور، كان سؤاله سؤال تثبيت، وهي آخر الرتب.
وبعد ذلك كله هداية أخرى، وهي الهداية إلى طريق الجنة في الآخرة ..
ولهذا كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل صلاة، لفرط حاجتهم إليه، فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى هذا الدعاء، فيجب أن يعلم المسلم أن الله بفضل رحمته جعل هذا الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخير، المانعة من الشر، فقد بيَّن القرآن أن السيئات من النفس، وإن كانت بقدر الله، وأن الحسنات كلها من الله تعالى) ا. ه.
وللعلامة ابن القيم في هذا المعنى كلاما رائعا:
[ومن هاهنا خُذل من خذل ووُفق من وفق .. فحُجب المخذول عن حقيقته ونُسِّى نفسه فنَسى فقره وحاجته وضرورته إلى ربه، فطغى وبغا وعتا فحقت عليه الشقوة ..
قال تعالى: {كَلاّ إِنّ الإِنسَانَ لَيَطْغَىَ أَن رّآهُ اسْتَغْنَىَ} [العلق: 6 - 7] ، وقال: {فَأَمّا مَنْ أَعْطَىَ وَاتّقَىَ وَصَدّقَ بِالْحُسْنَىَ فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَىَ وَأَمّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىَ وَكَذّبَ بِالْحُسْنَىَ فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَىَ} [الليل: 5 - 10] ..
فأَكمل الخلق أكملهم عبودية وأَعظمهم شهودًا لفقره وضرورته وحاجته إِلى ربه وعدم استغنائه عنه طرفة عين ..
ولهذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم:"أَصلح لي شأني كله، ولا تكلني إِلى نفسى طرفة عين ولا إِلى أَحد من خلقك"..
وكان يدعو:"يا مقلِّب القُلُوبِ ثَبِّتْ قلبي عَلَى دينك".