الصفحة 51 من 57

قال الأوزاعي:"سمعت بعض قوَّال ينشد في حمامٍ لك الحمدُ إمّا على نعمةٍ و إمَّا على نقمة تُدفع".

و من عبودية الحمد: شهود العبد لعجزه عن الحمد، و أنَّ ما قام به منه، فالرب سبحانه هو الذي ألهمه ذلك، فهو محمود عليه، إذ هو الذي أجراه على لسانه و قلبه، و لولا الله ما اهتدى أحد.

و من عبودية الحمد: تسليط الحمد على تفاصيل أحوال العبد كلها ظاهرها و باطنها على ما يحب العبد منها و ما يكره، بل على تفاصيل أحوال الخلق كلّهم، برِّهم و فاجرهم، علويهم و سفليهم، فهو سبحانه المحمود على ذلك كلّه في الحقيقة، و إن غاب عن شهود العبد حكمة ذلك، و ما يستحق الرب تبارك و تعالى من الحمد على ذلك و الحمد لله: هو إلهام من الله للعباد، فمستقل و مستكثر على قدر معرفة العبد بربه.

و قد قال النبي صلى الله عليه و سلم في حديث الشفاعة:"فأقع ساجدًا فيلهمني الله محامد أحمده بها لم تخطر على بالي قط".

عبودية {ربِّ العالمين}

ثم لقول العبد:: {ربِّ العالمين} من العبودية شهود تفرّده سبحانه بالربوبية وحده، و أنَّه كما أنه رب العالمين، و خالقهم، و رازقهم، و مدبِّر أمورهم، و موجدهم، و مغنيهم، فهو أيضا وحده إلههم، و معبودهم، و ملجأهم و مفزعهم عند النوائب، فلا ربَّ غيره، و لا إله سواه.

عبودية {الرَّحمَن الرَّحيم}

و لقوله: {الرَّحمن الرَّحيم} عبودية تخصه سبحانه، و هي شهود العبد عموم رحمته.

و شمولها لكلّ شيء، و سعتها لكلِّ مخلوق و أخذ كلّ موجود بنصيبه منها، و لاسيما الرحمة الخاصَّة بالعبد و هي التي أقامته بين يدي ربه: أقم قلانًا ـ ففق بعض الآثار أن جبرائيل يقول كل ليلة أقم فلانًا، و أنم فلانا فبرحمته للعبد أقامه في خدمته يناجيه بكلامه، و يتملقه و يسترحمه و يدعوه و يستعطفه و يسأله هدايته و رحمته، و تمام نعمته عليه دنياه و أخراه فهذا من رحمته بعبده، فرحمته وسعت كل شيء، كما أن حمده وسع كل شيء، و علمه وسع كل شيء، {ربَّنا وسعتَ كُلَّ شيء رَّحمة و علما} [غافر:7] ، و غيره مطرود محروم قد فاتته هذه الرحمة الخاصَّة فهو منفي عنها.

عبودية {مالكِ يومِ الدِّينِ}

و يعطى قوله {مالك يوم الدِّين} عبوديته من الذلِّ و الانقياد، و قصد العدل و القيام بالقسط، و كفَّ العبد نفسه عن الظلم و المعاصي، و ليتأمل ما تضمنته من إثبات المعاد و تفرَّد الربِّ في ذلك بالحكم بين خلقه، و أنه يومٌ يدين الله فيه الخلق بأعمالهم من الخير و الشر، و

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت