ذلك من تفاصيل حمده، و موجبه كما قال تعالى: {و قُضيَ بينَهم بالحقِّ و قيل الحمدُ لله ربِّ العالمين} [الزمر:75] .
و يروى أن جميع الخلائق يحمدونه يومئذ أهل الجنة و أهل النار، عدلا و فضلا، و لما كان قوله {الحمد لله رب العالمين} .
إخبارا عن حمد عبده له قال: حمدني عبدي.
ما معنى (الثناء) (التمجيد) ؟
و لما كان قوله {الرحمن الرحيم} إعادة و تكريرا لأوصاف كماله قال:"أثنى عليَّ عبدي"، فإنَّ الثناء إنَّما يكون بتكرار المحامد، و تعداد أوصاف المحمود، فالحمد ثناء عليه، و {الرحمن الرَّحيم} وصفه بالرحمة.
و لما وصف العبد ربه بتفرُّده بملك يوم الدين و هو الملك الحق، مالك الدنيا و الآخرة؛ و ذلك متضمِّن لظهور عدله، و كبريائه و عظمته، و وحدانيته، و صدق رُسله، سمَّى هذا الثناء مجدًا فقال:"مجَّدني عبدي"فإن التمجيد هو: الثناء بصفات العظمة، و الجلال، و العدل، و الإحسان.
عبودية {إيَّاك نعبدُ}
فإذا قال: {إيَّاك نعبدُ و إيَّاك نستعين} انتظر جواب ربه له:"هذا بيني و بين عبدي، و لعبدي ما سأل".
و تأمل عبودية هاتين الكلمتين و حقوقهما، و ميِّز الكلمة التي لله سبحانه و تعالى، و الكلمة التي للعبد، و فِقهِ سرَّ كون إحداهما لله، و الأخرى للعبد، و ميِّز بين التوحيد الذي تقتضيه كلمة {إيَّاك نعبدُ} و التوحيد الذي تقتضيه كلمة {و إيَّاك نستعين} ، و فِقهَ سرَّ كون هاتين الكلمتين في وسط السورة بين نوعي الثناء قبلهما، و الدعاء بعدهما، و فِقه تقديم {إياك نعبد} على {و إياك نستعين} ، و تقديم المعمول على العامل مع الإتيان به مؤخرًا أوجز و أخضر، و سرَّ إعادة الضمير مرَّة بعد مرة.
تقديم العبادة على الاستعانة
قلت: أراد تقديم العبادة ـ و هي العمل ـ على الاستعانة، فالعبادة لله و الاستعانة للعبد، فالله هو المعبود، و هو المستعان على عبادته، فإياك نعبد؛ أي إياك أريد بعبادتي، و هو يتضمن العمل الصالح الخالص، و العلم النافع الدال على الله، معرفة و محبة، و صدقا و إخلاصًا، فالعبادة حق الرب تعالى على خلقه، و الاستعانة تتضمن استعانة العبد بربه على جميع أموره، و هي القول المتضمن قسم العبد.