فكل عبادة لا تكون لله و بالله فهي باطلة مضمحلة، و كل استعانة تكون بالله وحده فهي خذلانٌ و ذل.
و تأمل علم ما ينفع العباد و ما يدفع عنهم كل واحد من هاتين الكلمتين من الآفة المنافية للعبودية نفعًا و دفعًا و كيف تدخل العبد هاتان الكلمتان في صريح العبودية.
القرآن مداره على هذه الكلمة
و تأمل عِلم كيف يدور القرآن كلّه من أوّله إلى آخره عليهما، و كذلك الخلق، و الأمر و الثواب و العقاب و الدنيا و الآخرة، و كيف تضمّنتا لأجلِّ الغايات، و أكمل الوسائل، و كيف أتى بهما بضمير المخاطب الحاضر، دون ضمير الغائب، و هذا موضوع يستدعي كتابًا كبيرًا، و لولا الخروج عمَّا نحن بصدده لأوضحناه و بسطناه، فمن أراد الوقوف عليه فقد ذكرناه في كتاب:"مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد و إياك نستعين".
ضرورة العبد لقوله {اهدنا الصِّراط المُستقيم}
ثم ليتأمل العبد ضرورته و فاقته إلى قوله {اهدنا الصِّراط المُستقيم} الذي مضمونه معرفة الحق، و قصده و إرادته و العمل به، و الثبات عليه، و الدعوة إليه، و الصبر على أذى المدعو إليه فباستكمال هذه المراتب الخمس يستكمل العبد الهداية و ما نقص منها نقص من هدايته.
و لما كان العبد مفتقرًا إلى هذه الهداية في ظاهره و باطنه، بل و في جميع ما يأتيه، و يذره من: أنواع الهدايات التي يفتقر لها العبد أمور فعلها على غير الهداية علمًا و عملًا و إرادة، فهو محتاج إلى التوبة منها و توبته منها هي من الهداية.
و أمور قد هُدي إلى أصلها دون تفصيلها فهو محتاج إلى هداية تفاصيلها.
و أمور قد هُدي إليها من وجهٍ دون وجهٍ، فهو محتاجٌ إلى تمام الهداية في كمالها على الهدى المستقيم، و أن يزداد هدى إلى هداه.
و أمور هو محتاج فيها إلى أن يحصل له من الهداية في مستقبلها مثل ما حصل له في ماضيها.
وأمور هو خال عن اعتقاد فيها فهو محتاج إلى الهداية فيها اعتقادًا صحيحًا.
و أمور يعتقد فيها خلاف ما هي عليه، فهو محتاج إلى هداية تنسخ من قلبه ذلك الاعتقاد الباطل، و تُثبت فيه ضدّه.
و أمور من الهداية: هو قادر عليها، و لكن لم يخلق له إرادة فعلها، فهو محتاج في تمام الهداية إلى خلق إرادة.
و أمور منها: هو غير قادر على فعلها مع كونه مريد لها، فهو محتاج في هدايته إلى إقدار عليها.
و أمور منها: هو غير قادر عليها و لا مريد لها، فهو محتاج إلى خلق القدرة عليها و الإرادة لها لتتم له الهداية.