الصفحة 54 من 57

و أمور: هو قائم بها على وجه الهداية اعتقادا و إرادة، و علما و عملًا، فهو محتاج إلى الثبات عليها و استدامتها، فكانت حاجته إلى سؤال الهداية أعظم الحاجات، و فاقته إليها أشد الفاقات، و لهذا فرض عليه الرب الرحيم هذا السؤال على العبيد كلّ يوم و ليلة في أفضل أحواله، و هي الصلوات الخمسُ، مرات متعددة، لشدَّة ضرورته و فاقته إلى هذا المطلوب.

ثم بيَّن أن سبيل أهل هذه الهداية مغاير لسبيل أهل الغضب و أهل الضلال، و هو اليهود، و النصارى و غيرهم.

فانقسم الخلق إذن إلى ثلاثة أقسام بالنسبة إلى هذه الهداية:

مُنعم عليه: بحصولها له و استمرارها و حظه من المنعم عليهم، بحسب حظه من تفاصيلها و أقسامها.

و ضالٌ: لم يُعطَ هذه الهداية و لم يُوفق لها.

و مغضوب عليه: عَرفها و لم يوفق للعمل بموجبها.

فالضال: حائد عنها، حائر لا يهتدي إليها سبيلا.

و المغضوب عليه: متحيّر منحرف عنها؛ لانحرافه عن الحق بعد معرفته به مع علمه بها.

فالأول المنعم عليه قائم بالهدى، و دين الحق علما و عملًا و اعتقادا و الضال عكسه، منسلخ منه علمًا و عملًا.

و المغضوب عليه لا يرفع فيها رأسا، عارف به علمًا منسلخ عملًا، و الله الموفق للصواب.

و لولا أن المقصود التنبيه على المضادة و المنافرة التي بين ذوق الصلاة، و ذوق السماع، لبسطنا هذا الموضوع بسطًا شافيا، و لكن لكلِّ مقام مقال، فلنرجع إلى المقصود.

عبودية التأمين و رفع اليدين

و شرع له التأمين في آخر هذا الدعاء تفاؤلًا بإجابته، و حصوله، و طابعًا عليه، و تحقيقًا له، و لهذا اشتد حسدُ اليهود للمسلمين عليه حين سمعُوهم يجهرون به في صلاتهم.

ثم شرع له رفع اليدين عند الركوع تعظيما لأمر الله، و زينةً للصلاة، و عبودية خاصةً لليدين كعبودية باقي الجوارح، و اتباعًا لسنَّة رسول الله صلى الله عليه و سلم فهو حليةُ الصلاة، و زينتها و تعظيمٌ لشعائرها.

ثم شرع له التكبير الذي هو في انتقالات الصلاة من رُكن إلى ركن، كالتلبية في انتقالات الحاجِّ، من مشعر إلى مشعر، فهو شعار الصلاة، كما أن التلبية شعار الحج، (مميز ليعلم أن سر الصلاة هو تعظيم الرب تعالى و تكبيره بعبادته وحده.)

يقول العلامة ابن كثير:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت