اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الْكَرِيمَةُ؛ وَهِيَ سَبْعُ آيَاتٍ؛ عَلَى حَمْدِ اللَّهِ، وَتَمْجِيدِهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى الْمُسْتَلْزِمَةِ لِصِفَاتِهِ الْعُلْيَا، وَعَلَى ذِكْرِ الْمَعَادِ وَهُوَ يَوْمُ الدِّينِ، وَعَلَى إِرْشَادِهِ عَبِيدَهُ إِلَى سُؤَالِهِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ وَالتَّبَرُّؤِ مِنْ حَوْلِهِمْ وقوتهم، وإلى إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ وَتَوْحِيدِهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَتَنْزِيهِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أَوْ نَظِيرٌ أَوْ مُمَاثِلٌ، وَإِلَى سُؤَالِهِمْ إِيَّاهُ الْهِدَايَةَ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ؛ وَهُوَ الدِّينُ الْقَوِيمُ وَتَثْبِيتَهُمْ عَلَيْهِ حتى يفضي بهم بذلك إِلَى جَوَازِ الصِّرَاطِ الْحِسِّيِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُفْضِي بِهِمْ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ فِي جِوَارِ النَّبِيِّينَ والصديقين والشهداء الصالحين ..
وَاشْتَمَلَتْ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِيَكُونُوا مَعَ أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مَسَالِكَ الْبَاطِلِ لِئَلَّا يُحْشَرُوا مَعَ سَالِكِيهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُمُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ وَالضَّالُّونَ. انتهى [1]
(لقد جمع الله معاني القرآن في سورة الفاتحة، فقد اشتملت على تعظيم الله وحمده والثناء عليه، وهذا هو أصل العقيدة: الإيمان بالله والاعتقاد أن الله سبحانه، يتصف بكل كمال وينزّه عن كل نقص.
ففي النصف الأول من الفاتحة ثناء على الله بما هو أهله.
وفي النصف الثاني دعاء بالتوفيق والاستقامة على الصراط المستقيم.
فكأن الفاتحة قسمان، قسم يتوجه العبد فيه بالثناء على الله، وقسم يدعو فيه ربه ويطلب لنفسه الصلاح والهدى.
وقد ورد في صحيح مسلم، عن أبي هريرة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : «يقول تعالى قسمت الصّلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل. إذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ .. قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ .. قال الله: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ .. قال الله: مجّدني عبدي، وإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ .. قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ؛ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» .
(1) تفسير ابن كثير ط العلمية (1/ 57)