ولعل هذا الحديث الصحيح، يوضح سر اختيار هذه السورة المباركة، ليقرأها المؤمن سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة، أو ما شاء الله أن يردّدها كلّما قام يدعوه في الصّلاة.
فكأنها شمسٌ تنير بضوئها كل شيء، وتبسط نورها في المؤمن فيزداد يقينا وإيمانا. وهي نشيد إلهي يردده المؤمن معترفا لله بالفضل، شاكرا له جميل نعمه، مستهديا إيّاه إلى الصراط المستقيم.
فالنصف الأول من السورة يتعلق بالعقيدة والفكر، والنصف الثاني يتعلق بالسلوك والعمل.
والمتتبع لأهداف القرآن الكريم، الواقف على مقاصده ومعارفه، يرى أنه جاء تفصيلا لما أجملته هذه السورة وحددته من صلاح العقيدة، واستقامة السلوك.
إنّ «الفاتحة» هي أمّ القرآن، ومن أجل ذلك حفلت بالأفكار الكبرى، التي تميّز بها دين الله، أي الإسلام، وهي أنه- عزّ اسمه- ربّ العالمين، الرحمن الرحيم،. وهو وحده الذي يختصّ بالعبادة، وهو وحده المستعان، وفي هذه الآية الخامسة نجد «إيّاك» وقد قدّمت على الفعلين «نعبد» و «نستعين» .. وقد أشار أهل العلم إلى أن التقديم مؤذن بأنه، وحده، تقدّست أسماؤه، مخصوص بالعبادة، وهو المستعان لا يشاركه في ذلك غيره، وهذا كله مستفاد من هذه الطريقة في بناء الجملة، وما كان من «التقديم» الذي أشرنا إليه. وإني لأرى أن التقديم قد حقق أيضا غرضا أسلوبيا وهو الحفاظ على «النظم» ، الذي يوفره ورود الآي على الميم والنون في أواخر الفواصل.
وقد تحقّق ضرب من التساوق البديع في تقديم «إيّاك» على الفعلين كما بيّنا، وفي ذلك كلّه اتّفاق في النّظم، يتحقق في جماع مواد هذه السورة: ثمّ ماذا؟
إن طول الآيات كلها قدر يكاد يكون متساويا في مادته وبهذا ضرب من التوافق والانسجام يخدم هذا البناء المتساوق في مادّته ومن أجل هذا يعمد أهل التلاوة إلى الوقوف على قوله تعالى: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ في الآية السابعة وقفة قصيرة، ليتحقّق نمط من التساوي في طول الآيات) [1] .
ويقول العلامة السعدي رحمه الله:
فهذه السورة على إيجازها، قد احتوت على ما لم تحتو عليه سورة من سور القرآن، فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية يؤخذ من قوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
وتوحيد الإلهية وهو إفراد الله بالعبادة، يؤخذ من لفظ: {اللَّهِ} ومن قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} وتوحيد الأسماء والصفات، وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى، التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له
(1) راجع الموسوعة القرآنية خصائص السور - سورة الفاتحة.