•وقد كان مُشركوا العرب يعبدون الأصنام في حال الرفاهية، وأما في حال الشِدَّة فإنهم يدعون الله وحده لِيَصرف عنهم العذاب والبلاء، وهذا من غريب أحوال الإنسان المشرك، أنه في حال الشدة الحقيقية يدعو الله وحده ولا يدعو معه هذه الآلهة الباطلة التي كان يدعوها في حال الرخاء والعافية.
الآية 42، والآية 43: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} رُسُلنا {إِلَى أُمَمٍ} : أي إلى جماعاتٍ من الناس {مِنْ قَبْلِكَ} ، فكانوا يأمرونهم بالإيمان والتوحيد والعبادة، فكذَّبوهم وعصوا أمرنا {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ} : أي فابتليناهم في أموالهم بالفقر وضِيق المعيشة، {وَالضَّرَّاءِ} : أي وابتليناهم في أجسامهم بالأمراض والآلام {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} : يعني وذلك رجاء أن يتذللوا لربهم في الدعاء، ويخضعوا له وحده بالعبادة، ويرجعوا إلى التوحيد بعد الشرك، والطاعة بعد العصيان.
•ولَمَّا لم يَفعلوا ذلك، وَبَّخَهم اللهُ بقوله: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} : يعني أفلا يَتذللون لنا حينما جاءهم بلاؤنا لنكشفه عنهم؟، {وَلَكِنْ} حصل العكس، فقد {قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} من الشرك والمعاصي.
الآية 44، والآية 45: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} : أي فلَمَّا تركوا العمل بأوامر الله تعالى وأعرضوا عنها: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} ، فأبدلناهم بالفقر: رخاءً في العيش، وبالمرض: صحة في الأجسام، وذلك استدراجًا مِنَّا لهم، {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا} : يعني حتى إذا تكَبَّروا، واغترُّوا بما أعطيناهم من الخير والنعمة: {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} : أي أخذناهم بالعذاب فجأة {فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} : أي فإذا هم يائسون من النجاة، متحسرون نادمون حيثُ لا ينفع الندم.
{فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا} : يعني فاستُؤصِلَ هؤلاء القوم عن آخرهم، وأُُهْلِكوا حينما كفروا بالله وكذَّبوا رسله، فلم يَبْقَ منهم أحدٌ، {وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} على نُصرة أوليائه، وإهلاك أعدائه، فاذكر هذا - أيها الرسول - لقومك لعلهم يرجعون إلى رُشدهم، ويعودون إلى الحق الذي تدعوهم إليه وهم مُعرضون.
•وفي هذا تحذير لكل مَن يَغتر بنعمة الله عليه وهو ما يزالُ مقيمًا على معصيته، فقد قال صلى الله عليه وسلم:) إذا رأيتَ الله تعالى يعطي العبدَ من الدنيا ما يحب وهو مُقيمٌ على معاصيه: فإنما ذلك منه استدراج) (انظر صحيح الجامع حديث: 561) .
الآية 46: {قُلْ} أيها الرسول لهؤلاء المشركين: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ} : يعني أخبِروني إن أذهَبَ اللهُ سَمْعَكم فأصمَّكم، وذهب بأبصاركم فأعماكم، {وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ} : أي وطبع على قلوبكم