فأصبحتم لا تفهمون قولًا، فـ {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} : يعني فأيُّ إلهٍ غير الله جل وعلا يقدر على رَدِّ ذلك لكم؟! والجواب: لا أحد، إذًا فكيف تتركون عبادة مَن يَملك سمعكم وأبصاركم وقلوبكم ويَملكُ كل شيء، وتعبدون ما لا يملك لكم شيئًا من ذلك؟! أيُّ ضلالٍ أبْعد مِن هذا؟! ثم قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ} : يعني انظر كيف ننوِّع لهم الحُجَج والأساليب لزيادة البيان، ولإظهار الحُجَّة، {ثُمَّ هُمْ} بعد ذلك {يَصْدِفُونَ} : أي يُعرضون عن التذكر والاعتبار.
الآية 47: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ} : يعني أخبِروني {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً} : أي فجأة، بدون علامةٍ تَسبقه، وأنتم في غفلةٍ من ذلك، {أَوْ} أتاكم {جَهْرَةً} : يعني بعد مجيء علامةٍ تسبقه، وكان ظاهرًا أمامكم تنظرون إليه: {هَلْ يُهْلَكُ} حينئذٍ {إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ} الذين تجاوزوا الحد، فصرفوا عبادة الله تعالى لِمَن لا يستحقها؟ (وهذا استفهام يفيد التقرير وحَصْر الهلاك في أهل الظلم) .
الآية 48، والآية 49: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ} لأهل طاعتنا بالنعيم المقيم, {وَمُنْذِرِينَ} لأهل المعاصي والشِرك بالعذاب الأليم {فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا} - من القرآن والمعجزات - فأولئك {يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ} أي يُصيبهم العذابُ يوم القيامة جزاءً {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} .
الآية 50: {قُلْ} أيها الرسول لهؤلاء المشركين الذين يُعاندونك ويطلبون منك أشياءً لا تُطِيقها: {لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ} : يعني إني لا أدَّعي أني أملك خزائن السماوات والأرض، فأتصرف فيها وأعطيكم منها ما تطلبون، {وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} : أي ولا أزعُمُ أني أعلم الغيب حتى أخبركم بموعد العذاب الذي ينتظركم، {وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} : يعني وإنما أنا رسول من عند الله، أتبع ما يُوحِيه إليَّ، وأبلِّغ وَحْيَهُ إلى الناس، {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} : يعني هل يستوي الكافر الذي عَمِيَ عن آيات الله تعالى فلم يؤمن بها مع المؤمن الذي أبْصَرَ آيات الله فآمَنَ بها؟! {أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} في آيات الله لِتُبصروا الحق فتؤمنوا به؟ (وفي الآية دليلٌ على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب - إلا ما أعْلَمَهُ الله تعالى منه -، وأنه لا يملك التصرف في شيءٍ من هذا الكون) .
الآية 51: {وَأَنْذِرْ بِهِ} : أي وخوِّف بالقرآن المؤمنين {الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ} : أي الذين يعلمون أنهم سيُحشَرون إلى ربهم يوم القيامة، فهم مصدِّقون بوعد الله تعالى ووعيده، ويخافون عذاب ربهم، ويعلمون أنه {لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ} ينصرهم، (وَلَا شَفِيعٌ) يشفع لهم عنده تعالى، فيُنقِذَهم من عذابه إلا بإذنه، فهؤلاء ينفعهم إنذارك بالقرآن، لأنهم مُتيَقنون بالانتقال من هذه الدار إلى دار القرار، فلذلك يَستصحبون معهم ما ينفعهم،