الصفحة 17 من 49

ويتركون ما يَضرهم، وهذا كقوله تعالى: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} ، فإنْ أنذرتَ هؤلاء الخائفون من عاقبة ذنوبهم، فإنه يُرجَى لهم أن يتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا هو معنى قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} .

الآية 52: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} : أي ولا تُبْعِد أيها النبي عن مُجالَسَتِك فقراء المسلمين الذين يعبدون ربهم أول النهار وآخره، و {يُرِيدُونَ} بذلك {وَجْهَهُ} : أي يريدون بأعمالهم الصالحة رضا الله تعالى وَجَنَّتِه، والنظر إلى وجهه الكريم.

•ومُبالَغةً في النهي عن ذلك، فقد قال تعالى له: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} : يعني ما أنت بمسؤول عن خطايا هؤلاء الفقراء - إن كانت لهم خطايا -، إنما حسابهم على الله تعالى، {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ} : يعني ولا هم بمسئولين عنك، فلِماذا تطردهم إذًا؟

{فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} : يعني فإن طرَدتَهم وأبعدتَهم عن مُجالستك: فإنك تكونُ من المتجاوزين لحدود الله تعالى، الذين يضعون الشيء في غير موضعه، فلم يُبعِدهم النبي صلى الله عليه وسلم - امتثالًا لأمر ربه.

•واعلم أن سبب نزول هذه الآية أن بعض المشركين في مكة اقترحوا على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يُبعد من مَجلسه فقراء المؤمنين - مثل بلال وعَمّار وصُهَيْب - حتى يجلسوا إليه ويسمعوا عنه، فقالوا له: (اطرد هؤلاء عنك حتى لا يَجْترئوا علينا) ، فهَمَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك (رجاء هداية أولئك المشركين) ، فنهاه الله تعالى عن ذلك بقوله: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ... } .

الآية 53: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} : أي وكذلك ابتلى اللهُ بعضَ عبادِهِ ببعض، وذلك باختلاف حظوظهم من الرزق والصحة وغير ذلك، فجعل بعضهم غنيًّا وبعضهم فقيرًا، وبعضهم قويًّا وبعضهم ضعيفًا، فبذلك جعل بعضهم يحتاج إلى بعض، وذلك اختبارًا منه تعالى لهم {لِيَقُولُوا} : أي ليقول الكافرون الأغنياء: {أَهَؤُلَاءِ} الضعفاء الفقراء {مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} بالهداية إلى الإسلام {مِنْ بَيْنِنَا} ونحن الرؤساء وهم العبيد؟!، فرَدَّ الله عليهم بقوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} الذين يشكرون نعمته، فيوفقهم إلى الهداية لدينه؟ والجوابُ: بلى، فالشاكرون هم المستحقون لإنعام الله عليهم بكل خير.

الآية 54: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا} لِيسألوك عن قبول توبتهم من ذنوبهم السابقة {فَقُلْ} لهم: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ} أي بجهلٍ منه لِسُوء عاقبة هذا الذنب ثُمَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت