ولا شك أن تصرف الأديب شاعرًا كان أو كاتبًا حين يثقف العمل الأدبي بطريقة الحذف والتقديم والتأخير هو الصنعة الأدبية بعينها ولا عيب في مثل هذا التصرف فقد عرف في الأوساط الأدبية عند العرب قديمًا أو حديثًا، وبذلك أطبق الكثير من النقاد على أن الشعر - وهو أحد فنون الأدب - جنس من الصناعة وضرب من التصوير بل قد عرف في حياة الأدب عند الجاهليين من يأخذ بهذا التصرف في إحكام القصيدة وإدمان النظر فيها قبل إخراجها للمتلقين.
ويرجع الدكتور/ محمد عادل الهاشمي تحقق الإبداع ومفهومه إلى توسيع المضامين الأدبية وتحريرها من التقليد والتبعية، لأن الأدب إذا أتى بهذه الصورة منطلقًا من هدي إسلامي يستلهم مضامينه من عوالم الإسلام وآفاقه الشاملة فإنه الأدب الخصب الذي سينتج ويبدع [1] .
وهذه النظرة في مفهوم الإبداع نظرة ذات تعميم لكنها تنادى بالأصيل والغيرة عليه إذ لا جديد إلا بقديم.
ويبدو مفهوم الإبداع في ذهن الناقد الدكتور/ أنس داوود رحمه الله في قدرة الشاعر على التمرس بأساليب القول والعكوف على الأدب القديم واستلهام الصور الأدبية منه والتعامل مع الأجناس الأدبية المعاصرة ... فإن"عكوف الشاعر على قراءة النقد الأدبي وقراءة التاريخ والفلسفة وإلمامه عن طريق الاستماع وتذوق الموسيقى الكلاسيكية، وعلمه المتقن لدقائق العروض والقوافي كل هذه روافد تغني وتثري التجربة الشعرية، وتتيح للشاعر فرصة الاستمرار في الإبداع ..." [2] .
وخلاصة آراء النقاد المعاصرين الذين عالجوا مفهوم الإبداع في دراساتهم النقدية والأدبية. آراء لا تكاد تخرج عن مفهوم واحد هو الجمع بين القديم الأصيل والجديد الحديث على اختلاف في الرؤية النقدية، فإن من هؤلاء النقاد من قصر مفهوم الإبداع على مهارة الأديب في صناعة الأسلوب، ومنهم من قصره على مهارة الأديب في قدرته على استلهام الصور وتجلية المعني في ضوئها منطلقة هذه الصور في مادتها الخام من معطيات البيئة والزمان والمكان.
ومنهم من رد مفهوم الإبداع إلى المزج بين أسلوب القدماء وأسلوب الأدب المعاصر في قيمه التعبيرية. ومنهم من رد المفهوم إلى الاستعانة بفن القول من خلال الألوان البلاغية التي قننت في علم البلاغة من استعارة وتشبيه
(1) في الأدب الإسلامي تجارب ومواقف د/ محمد عادل الهاشمي ص 40 ط 1 دار القلم دمشق.
(2) حوار مع الإبداع الشعري المعاصر د/ أنس داود ص 78 دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان مصر.