الصفحة 58 من 102

وشاعرنا سيد قطب واحد ممن شدتهم الكلمة الشاعرة فأجراها في كل واد ولكن ببصر المسلم المؤمن وما ينبغي أن يقول. فاسمع إليه يشدو بقصيدته"السعادة حديث الأشقياء".

إيه حدث عن السعادة إني ... قد مللت الشقاء كل الشقاء

أطلع الصبح في حديثك يحلو ... بعض هذا الآسي بفيض الضياء

يا أخي ضاق بالحوادث ذرعي ... وسئمت الشكاة من بأسائي

ومللت الحديث فيه فحدث ... أنت - يا صاحبي - حديث الهناء

إن بعض الحديث يدني الأماني ... بخيوط وإن وهت من رجاء ...

أبعث الطرف في الفضاء مليًا ... فأرى الأفق ضيقًا في الفضاء

والصباح الوديع ما عاد يسري ... لفؤادي كما سرى بالرضا

والربيع الأنيق ما عاد يذكي ... في ومض الحياة كالأحياء

والجمال الذي له النفس تهفو ... عاد ميتًا معطل الإيحاء ..

هي نفس أحالت الكون قفرا ... فتراءى معطلا كالهباء

هي نفس تحطمت بالنفسِ ... هي دائي فلست أرجو شفائي

يا أخي ثارت الشجون وهاجت ... حرقاتي وأيقظت لأوائي

يا أخي هات من حديثك صوّرْ ... في خيالي ملامح السعداء [1]

ج

إن الناظر في ثنايا هذا النص من شعر سيد قطب ليرى كيف استطاع الشاعر هنا أن يجلي معنى التجربة الشعورية. وينقلها للمتلقين عبر الكلمات الشاعرة التي استطاعت تجسيد المعنى وتصويره ماثلًا للعيان فالكون وما فيه من صبح طالع وشجر باسق، وربيع مخضر وفضاء واسع وضوء ساطع وخيال خصب، ونفوس وادعة، وجمال بديع، وظلال وارفة وشجون وذكريات وإنسان وأحاسيس وعواطف وسكون وحركة دائبة كل ذلك معين وفيض ممتد لاستيعاب هذه الصور التي أبدعتها ريشة الشاعر الأديب سيد قطب. ويكاد لا يخلو بيت واحد من هذه القطعة إلا وفيه وميض من ومضات هذه الأشياء المحسوسة والمعنوية.

(1) ديوان سيد قطب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت