وخير مثال نسوقه على استلهام الإبداع من خلال هذين العاملين أو العنصرين: الخيال والذوق. خير مثال وأجوده قول الشاعر الإسلامي المعاصر أحمد فرج عقيلان من قوله في وصف ما أصاب الأمة الإسلامية وبخاصة أهل وطنه فلسطين، وتجسيد ما حل بالمسلمين جميعًا وبأهل وطنه من حرب وتنكيل وتشريد:
سأحيا على رغم النوائب شامخًا ... كما شمخت فوق الجبال صروح
ولن يرخص التشريد من حر جوهري ... فما هان ترب في التراب طريح
ترقب غدًا فالنصر ينساب من غدٍ ... ونور المنى في حافتيه يلوح [1]
يقرر النقد المعاصر:"قدرة التعبير الفني على بعث الجمال من مجموع جانبين كل منهما لا يكتفي بذاته، وفي الضوء نفهم كيف يحقق الخيال صفة هي التوازن والاعتدال فيشيع الرضا بالانطلاق والتحرر من جهة والمتعة بالقالب المنسق من جهة ثانية وبذلك نجد الشاعر - يجنح إلى نسق من الأشياء يخالف ما نرى وما نعرف من أجل الوصول إلى حقائق مستقرة باقية، ومن أجل ارتياد دقائق وأسرار" [2] لا يمكن أن تتكامل في الصورة الشعرية تكاملًا تاما إلا بتمازج تلك الوحدات. وحدات الخيال ووحدات التعبير عن هذه الوحدات مرة بما نعرف ومرة بما نؤول. وهذا هو ما يعرف عند البلاغيين بالحقيقة والمجاز.
وظاهرة استعمال اللغة للتعبير عن الحقائق وما يعكسه الخيال من أجود ألوان التعبير لإثراء الصورة الفنية عن طريق سعة الأخيلة ورحابتها بما يمكن أن تولد من صور وجزئيات، وعن طريق رحابة الحقائق وكثرتها في هذا الكون الواسع العريض من كائنات وكونيات صامتة ومتحركة.
وعند"عقيلان"كثير من الصور الفنية التي ابتكرت بواسطة الخيال أو نسق إطارها بطريق أسلوب الحقيقة .. ومن اللون من شعره قوله من قصيدته:"علم فلسطين":
يا راية من جراحاتي وآهاتي ... فّتحت في القلب مخبوء الجراحات
بدوت خضراء كالآمال زاهرة ... حمراء كالدم يغلي للكرامات
بيضاء كالنفس بالإيمان عامرة ... سوداء كالثأر في أهل الحميات
(1) ديوان جرح الإباء 11، 12.
(2) الصورة الأدبية مصطفى ناصف ص 1 ذ 4.