الصفحة 94 من 102

ذكرتني خالدًا والنصر خادمه ... يطوي المفاوز كالشهب المنيرات

ذكرتني عمرًا والقدس تحضنه ... وموكب النور يسري في الدجنات

ذكرت والوجد يطويني وينشرني ... عزًا مضى فبكت عيني على الآتي

بكت على أمة حار الدليل بها ... تسير بين تخوم من ضلالات

بكت على علم إن صاح وآلهفي ... كان الجواب له نوح اليتيمات [1]

إنك إذا استقرأت معالم التعبير الفني في هذه الأبيات واحدًا تلو الآخر وجدت في كل بيت أسلوبين متباينين في إطار العبارة فمرة تسيطر الحقيقة بأسلوبها الواضح، ومرة يسيطر الخيال بأسلوبه المصنّع من وسائل التعبير أو من وسائل النظر إلى طبائع الأشياء وتحليلها في الذهن تحليل الحقيقة التي لها صورة الحركة والفعل والقول ففي البيت الأول:

تتألف الراية من جراحات الشاعر وآهاته، وتفتح في القلب ثغرات الجراح فعل من يسطو بخنجره على آمن أو مدافع.

وفي البيت الثاني تبدو الراية خضراء زاهرة كالآمال فيما يرجو منها صاحبها رجاء من ينتظر ثمرة حرثه وينعه، وتبدو حمراء كالدم يغلي غلي الماء الذي توقد تحته النار.

وفي البيت الثالث تبدو الراية في ذهن الشاعر كالنفس يعمرها الإيمان وسوداء كالثأر يحترق في الصدور احتراق الضغائن ودفائن الثارات.

وحين يلتفت الشاعر إلى الماضي ليثير دخائل الحاضر يذكر خالد بن الوليد أحد أبطال الإسلام ويشخص النصر في خدمته فعل المأمور المطيع، ويذكر عمر تحضنه القدس. ويتشكل أمامه النور في موكب حافل بالحركة السريعة فهو يسري في الظلمات مسرى النور من أجرامه.

ثم يطوي الوجد وينشر آلام الشاعر حتى تفيض عينه دمعًا وتعتصر نفسه ألمًا:

ذكرت والوجد يطويني وينشرني ... عزًا مضى فبكت عيني على الآتي

(1) ديوان رسالة إلى ليلى ص 113، 114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت