أما استلهام خصوصية الإبداع من خلال عامل الذوق الأدبي فإنه من تأثير الذوق في جودة الأعمال الأدبية قدرة الشاعر على حسن الاختيار سواء فيما يتعلق بإطاره ومضمونه الذي ينشط له هذا الأديب أو فيما يتعلق بتمييز الأشياء المتخيرة، والحكم عليها بمدى صلاحها جودة أو بعدم صلاحها لرداءتها.
وهناك عناصر شكلية درسها النقد المعاصر لها صلتها الوثيقة بالذوق من حيث التعامل معها في النص الأدبي وبخاصة الشعر. من هذه العناصر الشكلية التي تتأثر في الاستعمال بالذوق بقدر ما تؤثر فيه تربية ودربة - من هذه العناصر: موسيقى الشعر واللغة الإيحائية، وتلك جزئية كبرى تحتها عدد من الجزئيات التي تشكلها وهي: الوزن، القافية، الإيقاع الداخلي، اللغة الشاعرة، التوصيل بالإيحاء [1] ونجد تأثير هذه العناصر يكاد يكون قاسمًا مشتركًا بين الشاعر نفسه وبين المتلقي عنه على اختلاف في مدى القدرة على التمييز عند كل منهما.
وشاعرنا"عقيلان"قد هداه ذوق سليم وحس مرهف إلى التمييز بين هذه الوحدات الفنية في تشكيل صوره، ولذلك استحسن هذا البحر بتفاعيله لصلاحها في الجرس المتناغم للتعبير مثلًا عن معنى البطولة، أو معنى الكرم، أو معنى الصبر أو معنى الحزن أو معنى الغدر أو معنى الحب أو معنى الشوق والحنين والصبابة والهيام. وهكذا.
وتمازج البحور في الاستعمال عند هذا الشاعر يجري بحسب ما يمليه عليه ذوقه بعد تحكيم الخصائص الفنية التي مبعثها اللغة الشاعرة. فهذا بحر من الطويل لوصف الحرب مثلًا، وهذا بحر من الوافر لوصف الشعور بالألم واستنهاض الهمم وهذا من بحر الكامل وهذا من الرمل كل ذلك يمليه ذوق سليم في الاختيار والاستعمال. ودليل ذلك حين أراد الشاعر أن ينقل تجربته بواسطة معاني الصمود والجهاد واستعادة ما اغتصب من حقوق المسلمين تخير البحر الخفيف فنظم على تفاعيله التي هي:
فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن
فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن
ومن هذا البحر والوزن قوله من قصيدته:"عيد الاجيء":
أي عيد وقد ثكلت بلادي ... وفلسطين في ثياب الحداد
(1) الصورة الفنية في شعر أبي تمام ص 221 وما بعدها د/ عبدالقادر الرباعي.