والتشبيه هنا دال على قوة الناقة وصلابتها مع ما بينها والثور من تشابه لوني وجسدي متمثل في ضمور البطن، وهو مما يستحب في الإبل، ويستخدم الحطيئة فعل التشبيه في قوله [1] [طويل] :
إِذَا مَا اسْتَهَلَّتْ بِالنِّسَارِ سَحَابَةٌ ... تُشَبِّهُهَا رِجْلَ الْجَرَادِ مِنَ النَّبْل
فهو يمدح عيينة والذين ثبتوا معه رغم هروب الكثرة من قومه يوم النسار وكان الذين ثبتوا معه من القوة ورباطة الجأش وكثرة النبال التي تشبه بكثرة أرجل الجراد وتتابعها عند المسير. أما زهير فقد استخدم اسمًا للتشبيه هو كلمة مشاكهة في قوله من معلقته في مشهد الظعائن المرتحلات وقد زين هوادجهن [2] [طويل] :
عَلَوْنَ بِأَنْمَاطٍ عِتَاقٍ وَكِلَّةٍ ... وِرَادٍ حَوَاشِيهَا مُشَاكِهَةِ الدَّم
فكلمة مشاكهة اسم فاعل من شاكه بمعنى شابه، وقد شبه ما على الهوادج من الأنماط والستور والألوان الحمراء بلون الدم.
وعلى هذا النحو كان وجود أداة التشبيه دليلًا على وضوح الصورة وانتمائها إلى التشبيه الذي بدا فيه الطرفان متمايزين بحيث لم تذب الحدود بينهما، وهذا هو دور أداة التشبيه الحفاظ على تمايز طرفي الصورة لكونها حاجزًا بينهما؛ ولأن التشبيه يقوم على المقارنة والمقاربة بين الطرفين [3] دون الوصول إلى لحظة الامتزاج إذ إن"التشبيه يفيد الغيرية ولا يفيد العينية، وأنه مجرد مقارنة يمتنع فيها اتحاد الطرفين وتفاعلهما" [4] هذا التفاعل الذي استعاض به النقد الحديث عن فكرة المقارنة والتناسب؛ لأنها تعجز المتلقي عن"تقدير الإمكانيات الثرية للتشبيهات الأصيلة وتبينها" [5] وهي إمكانيات وخصائص تؤكد أن"الصورة التشبيهية الجيدة تتعدى حدود المقارنة بين شيء وشيء، وتتجاوز فنون التشبيه التي فتن بها البلاغيون، بل تتعدى حدود الاتكاء على استخلاص وجوه مشابهة، وتعتمد على الانثيال العاطفي، وتدفق الألوان التي تسفح ظلالًا إيحائية حيث تمتاح قيمتها من تموجات الشعور" [6] .
التشبيه بغير الأداة:
إذا كانت الصورة التشبيهية قد أخذت خصوصيتها التعبيرية بانتمائها إلى هذا الفن من خلال وجود أداة التشبيه الجامعة بين الطرفين ومن ثم وضوح نوعها أمام المتلقي، فإن ثمة صورًا تشبيهية لا تتكئ في إنتاج دلالتها على أداة التشبيه التي يعمد الشعراء إلى الاستغناء عنها لأنها تكون"بمثابة الحاجز الحصين بين"
(1) 96 - ديوان الحطيئة ص 225.
(2) 97 - شعر زهير ص 11.
(3) 98 - انظر: الحيوان للجاحظ 1/ 211، نقد الشعر لقدامة ص 1.9 العمدة 1/ 286.
(4) 99 - د/محمد الواسطي: ظاهرة البديع عند الشعراء المحدثين ص 97.
(5) 1 .. - د/ جابر عصفور: الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي - سابق - 193.
(6) 1.1 - د/ رجاء عيد: فلسفة البلاغة بين التقنية والتطور ص 176 - 177.