الصفحة 37 من 63

ويكشف الحطيئة عن سبب سوء علاقته بالزبرقان، والدواعي التي دفعته لأن يهجوه الهجاء المقذع، فيقول [1] :

تَوَلَّيْتُ لاَ آسَى عَلَى نَائِلِ امْرِئٍ ... طَوَى كَشْحَهُ عَنِّي وَقَلَّتْ أَوَاصِرُهْ

فمن هذه الأسباب التي دفعته إلى عدم انتظار عطاء الزبرقان وعدم الأسى عليه أن الزبرقان طوى كشحه، وتلك كناية عن إعراضه عنه وتركه دون عطاء، وترتب على هذا الإعراض أنه لم يترك للحطيئة أية آصرة تربطه به أو تجعله يبقي عليه.

ويقول زهير عن القبر [2] [طويل] :

أَرَانِي إِذَا مَا بِتُّ بِتُّ عَلَى هَوًى ... وَأَنِّي إِذَا أَصْبَحْتُ أَصْبَحْتُ غَادِيَا

إِلَى حُفْرَةٍ أُهْدَى إِلَيْهَا مُقِيمَةٍ ... يَحُثُّ إِلَيْهَا سَائِقٌ مِنْ وَرَائِيَا

فقد كنّى عن القبر بأنه حفرة، والحفر يستدعي الخفاء بين طيات الثرى وتلك دلالة الموت التي عبر عنها كعب بقوله [3] [طويل] :

إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَنْفَعْكَ حَيًّا فَنَفْعُهُ ... قَلِيلٌ إِذَا رُصَّتْ عَلَيْهِ الصَّفَائِحُ

فقوله: رُصت عليه الصفائح كناية عن القبر الذي يستدعي الموت والدفن وهذه الدلالة الكنائية هي ما يؤكدها السياق لأن انعدام نفع المرء في حياته يؤكد عدم نفعه بعد موته.

وفي ضوء ما سبق يمكن أن يُدرك أثر الصورة الكنائية في التعبير عن الدلالة المطروحة تلك الدلالة الملفعة بشيء من الإخفاء الذي يكون أبلغ من التصريح، وآكد في تثبيت الدلالة التي تربط ما بين المتلقي والنص والمبدع برباط تواصلي يؤدي إلى ثراء المعنى وقوة النص وحيويته التي تجعله قادرًا على استيعاب الدلالة الشكلية، والدلالة العميقة المرادة من المبدع.

مدخل:

وقفت دراسة الصورة الشعرية في المبحث السابق عند أنماطهاالجزئية، إذ اتكأت في بنيتها على العناصر اللغوية الظاهرة وهي أدوات التشبيه ظاهرة كانت أو خفية كما في التشبيه البليغ والاستعارة، كما اتكأت على ملاحظة العلاقة بين الدلالات التي تنتجها الصورة، وقد رأيناها علاقة التلازم في

(1) 188 - ديوان الحطيئة ص 25.

(2) 189 - شعر زهير ص 168 - 169.

(3) 19.- ديوان كعب ص 189.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت