الصفحة 38 من 63

الصورة الكنائية، وهذه النظرة الجزئية لها أهميتها البحثية؛ لأنها تكشف عن أساليب الشعراء في بناء صورهم، كما أن لها أهمية كبيرة كذلك عند دراسة الصورة الكلية؛ لأن الصور الجزئية لا تختفي من الصور الكلية، وإنما تكون مفرداتها وجزئياتها التي تتضام مع بعضها لترسم الصورة الكلية التي تكون"أشبه بلوحة كبيرة تضم داخلها صورًا صغيرة لا تستقل بنفسها ولكنها تكون جزئيات هذه اللوحة الكبرى" [1] .

وإذا كانت الصورة الجزئية قد عمدت إلى تفكيك البنية الكلية للنص إلى جزئيات صغيرة استدعت أن تكون النظرة إليها جزئية لا تكاد تجاوز البيت أو البيتين من النص الشعري، فإن الصورة الكلية تعمد إلى دراسة النص في بنيته الكبرى التي تتجسد من النظرة الكلية التي لا تحاول تفكيك النص، وإنما تحاول تجميع أجزائه، والبحث عن عناصر الترابط فيما بينها؛ لأن الصورة الكلية"لوحات متكاملة تؤدي فيها هذه الصور التشبيهية الجزئية وظيفة بنائية بعينها، إذ تتحول إلى لبنات في هذا البناء التصويري المتكامل، أو هذه اللوحة الممتدة على مساحة زمنية ومكانية واسعة، وهي لوحات يبنيها الشعراء عادة من خلال قص الأحداث وحكاية المواقف، وهو ما يُعرف اصطلاحًا بصورة الحدث أو صورة الموقف" [2] الواحد الذي يقوم الشاعر برصده مستغرقًا مجموعة من الأبيات يسودها إحساس واحد تجسده الألفاظ والعبارات لينتج من ذلك كله ما يُعرف بالوحدة العضوية التي تظهر بوضوح في الأسلوب القصصي [3] .

ولم يكن الأسلوب القصصي بالأمر الجديد على الأدبيات العربية القديمة، إذ قد لجأ إليه الشعراء أو الكتّاب؛ بغية تصوير تجاربهم ومواقفهم التي مروا بها أو عايشوها؛ لأنهم وجوها أقدر من غيرها على التعبير عن هذه التجارب والمواقف، ومن يتتبع الشعر العربي القديم، أو النثر العربي القديم يتأكد لديه بما لا يدع مجالًا للشك"أن وجود القصة العربية القديمة واقع لا مراء فيه" [4] .

وقد ذكر الأستاذ علي النجدي أن القصص الشعرية في الجاهلية والإسلام تعرض"صورًا شتى من حياة أهل الجاهلية وألوانًا متعددة من المشاعر والانفعالات البشرية يعرضها طائفة من الشعراء نبتت في بيئات مختلفة ونشأت في ظروف وعلى أحوال متفاوتة ولكلٍّ أسلوب متميز في التعبير والتصوير، يختلف باختلاف مواهبه الذهنية وخصائص شخصيته الفنية التي تشاركت في صنعها بيئته وظروف حياته من حوله" [5] مما يعني أن لجوء الشعراء العرب إلى الصورة القصصية بما تحويه من عناصر درامية وصراع ملحميٍّ، إنما كانت واحدة من الأنماط التصويرية، ولعلنا نرجح هذا اللجوء من خلال طبيعة البيئة العربية التي كانت تزخر بألوان من الصراع بين الإنسان والإنسان، أو بينه وبين الحيوان الذي اتخذه في كثير من الصور معادلًا موضوعيًّا له، وقد يكون هذا الصراع بين الإنسان وبين بعض مظاهر الطبيعة القاسية، وكذلك الصراع بين الحيوان والحيوان، وقد كان يرى ذلك كله ويتأثر به؛

(1) 191 - د/ صلاح عبد الحافظ: الصنعة الفنية في شعر المتنبي ص 174 - ط 1 دار المعارف

(2) 192 - د/ إبراهيم عبد الرحمن: الشعر الجاهلي - سابق - ص 277 - 278.

(3) 193 - د/ محمد غنيمي هلال: النقد الأدبي الحديث - سابق - ص 249.

(4) 194 - د/ محمود ذهني: القصة في الأدب العربي القديم ص 57 - ط 1/ 1973 م - الأنجلو المصرية.

(5) 195 - علي النجدي ناصف: القصة في الشعر العربي ص 1.- 11 - نهضة مصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت