الخصب هو أداة التصوير الشعري، وهو الملكة التي تعتمد عليها المشاركة الوجدانية"ومهمة الشعر الأولى - بل الوحيدة - هي أن يخاطب في الإنسان خياله، الشعر لا يخاطب القوة العاقلة، بل يتجه فينا إلى الملكة التي تتقبل الفكر والشعور في آنٍ معًا - ملكة الخيال - الشعر يقوي فينا تلك الملكة التي تمكننا من أن نصير - ولو مدى لحظة قصيرة - أشخاصًا غير أنفسنا" [1] .
وإذا كانت القصيدة الشعرية في أبسط تعريفاتها مجموعة من الألفاظ المترابطة والمنسقة بشكل معين [2] ومقصود، فإنه يمكن تحديد مفهوم الصورة الشعرية بأنها"مجموعة من علاقات لغوية يخلقها الشاعر لكي يعبر عن انفعاله الخاص، والشاعر يستخدم اللغة استخدامًا جديدًا، حين يحاول أن يستحدث بين الألفاظ ارتباطات غير مألوفة، ومقارنات غير معهودة في اللغة العادية المبنية على التعميم والتجريد، ومن خلال هذه الارتباطات والمقارنات اللغوية الجديدة يخلق لنا الشاعر المصور تشبيهاته واستعاراته وكناياته وتشخيصاته" [3] وكل هذا الألوان التصويرية البلاغية تشكل لدى الباحث ما يُعرف بالصورة الجزئية التي لا تكاد تتجاوز البيت الشعري؛ لأنها تتوسل بالعلاقات اللغوية المنتجة للدلالة التي يحسن الوقوف عليها.
والصورة الجزئية تستدعي ما يقابلها وهو الصورة الكلية التي تتوسل مع العلاقات اللغوية بعلاقات دلالية ربما لا يكفيها البيت أو البيتان من الشعر وإنما تمتد لأكثر من ذلك راسمة لوحة شعرية تتفاعل عناصرها وتتآزر لتنتج الدلالة المرادة، ومن ثمة فالموضوع الذي تعالجه هذه الصورة الكلية هو المتحكم في تقسيمها وتصنيفها على ما سنتناوله في موضعه من هذا البحث.
اتخذ البحث من مصطلح الصورة الجزئية إجرائيًّا ليقف به قبالة مصطلح الصورة الكلية التي أدار عليها المبحث الثاني من هذا الفصل، وهو يريد بالصورة الجزئية الإشارة إلى الأنواع البلاغية للصورة الشعرية من تشبيه واستعارة وكناية ومجاز، وكونها جزئية؛ لأنها تتكئ في بنيتها اللغوية على عناصر لغوية بسيطة قد تتجاوز بها البيت الواحد، ولكنها لا تتعداه إلى مجموعة من الأبيات، ومع ذلك فإنها تتوسل بالعلاقات اللغوية لتحقق من خلالها دلالتها التصويرية وذلك بخلاف الصورة الكلية التي سوف يدرسها البحث فيما بعد.
هو أول الصور البلاغية الجزئية التي تناولها البلاغيون والنقاد في باب علم البيان، وقد أولوه من صور العناية والاهتمام الشيء الذي يجسد فتنتهم بهذا اللون البياني الذي يستخدمه الشعراء عندما يقارنون بين المدركات الحسية محاولين الوقوف على أوجه الاقتراب أو الافتراق بينها، فيعمدون إلى تجسيد ما بينها من تقارب من خلال البنية اللغوية المتوسلة بأداة الربط الرابطة بين المتشابهين، وهذه الرابطة هي ما
(1) 43 - تشارلتون: فنون الأدب - سابق - ص 51 - 52.
(2) 44 - د/ عبد الله التطاوي: الصورة الفنية في شعر مسلم بن الوليد ص 44.
(3) 45 - السابق ص 45.