الصفحة 39 من 63

ولذلك أبى الشاعر القديم إلا أن يعرضه في أسلوب قصصيٍّ يُعد"نموذجًا تعبيريًّا صادقًا يلتحم بهذا الصراع، أو يكشف عن طبائعه" [1] ، وذلك على النحو الذي يبرز في صور الحيوان التي عمد الشعراء إلى تصويرها بهذا الأسلوب.

وإلى جانب هذه الصورة القصصية التي تتخذ من البنية الدرامية وسيلة فنية يعرض فيها الشاعر الموقف الذي يعيشه نجد الصورة الوصفية التي يعتمد فيها الشاعر على الوصف المباشر للمنظر أو الموضوع الذي تقع عليه عينه، فالوصف هو"ذكر الشيء بما فيه من الأحوال والهيئات، ولما كان أكثر وصف الشعراء إنما يقع على الأشياء المركبة من ضروب المعاني كان أحسنهم وصفًا مَن أتى في شعره بأكثر المعاني التي الموصوف مركب منها، ثم بأظهرها فيه وأولاها، حتى يحكيه بشعره، ويمثله للحس بنعته" [2] .

وهذا الوصف يُعد أوسع أبواب الشعر العربي، فقد قال ابن رشيق: إن""الشعر إلا أقله راجع إلى باب الوصف" [3] الذي يُعد أثرًا من آثار البيئة العربية على إنسانها الذي يجد كل شيء أمامه واضحًا؛ ولأنه"نزعة فطرية ملازمة لطبيعة الذات الإنسانية بها يكتشف الإنسان العالم" [4] المحيط به، فقد رأينا احتفال الشعر العربي بهذه الصور الوصفية التي عمد إليها الشعراء القدامى، فأخرجوا لوحات فنية مزجوا فيها بين فن الشعر وفن الرسم، بحيث بدت اللوحة الوصفية الشعرية وكأنها لوحة فنية تموج بعناصر الحركة واللون والصوت."

وإلى جانب ذلك وجدنا التداخل بين الصورتين: الوصفية و القصصية، فقد لجأ الشعراء للوصف"في أعمالهم القصصية، وأسسوا عليه نمو الأحداث فيها وتطور المواقف، وبنوا عليه الحركة القصصية الدرامية" [5] وذلك ما سيكشفه تحليل نماذج الصورة القصصية.

مثل الحيوان العربي محور هذه الصورة عند شعراء البحث الأربعة، فقد بدت أنوع الحيوان التي أدار عليها الشعراء الأربعة صورهم القصصية في صورة مأزومة تتعدد أسباب أزمتها وتتنوع مظاهرها، وبعضها يكشف عن الأصداء النفسية للشاعر الذي يقوم برصد الصورة وبعضها يقنع بالحديث عن الحيوان مصورًا الأزمة أو الموقف الذي يمر به من خلال هذا الأسلوب القصصي، وكانت الناقة والثور الوحشي، وحمار الوحش أهم العناصر الحيوانية الممثلة لهذا النمط التصويري عند الشعراء الأربعة.

بين الذات المأزومة والذات الشاعرة:

الحديث عن الناقة ومكانتها في الشعر العربي القديم، وفي حياة العرب عامة والشعراء خاصة أمر لا يختلف عليه باحث لا في القديم ولا في الحديث، وقد تنوعت الصورة الشعرية التي رسمها الشعراء للناقة في شعرهم، واتخذت بعض السمات، منها تصوير أوس بن حجر لناقته في صورة مأزومة قد

(1) 196 - د/ ميّ يوسف خليف: العناصر القصصية في الشعر الجاهلي ص 15.

(2) 197 - قدامة بن جعفر: نقد الشعر - سابق - ص 118.

(3) 198 - ابن رشيق: العمدة - سابق - 2/ 294.

(4) 199 - د/ ساسين عساف: الصورة الشعرية ونماذجها في إبداع أبي نواس ص 23

(5) 2 .. - د/ علي أحمد الخطيب: فن الوصف في الشعر الجاهلي ص 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت