الذي كثر في المركبين الفعلي والاسمي، و مرد ذلك إلى طبيعة البيئة العربية القديمة حيث الصحراء الذي يبدو فيها كل شيء ساكنًا جامدًا أمام الرؤية العينية للشعراء، بيد أن هذا السكون كثيرًا ما كان يتحول إلى الحركية والحياة التي تقوم بها المخيلة الشعرية عند هؤلاء الشعراء.
يعد الأسلوب الكنائي واحدًا من الأساليب الفنية التي لجأ إليها الشعراء للتعبير عن تجاربهم وتوصيلها إلى المتلقي الذي يظل مشدودًا إلى النص؛ لأن أسلوب الكناية يتكئ في إنتاج دلالته على الخفاء، وليس الظهور أو التصريح، فالمبدع لا يلجأ إلى الدلالة مباشرة، وإنما يلجأ إلى معنًى تالٍ ورديف لها، وذاك قول الإمام عبد القاهر في تعريفها بقوله:"أن يريد المتكلم إثبات معنًى من المعاني، فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، وإنما يجيء إلى معنًى هو تاليه وردفه في الوجود، فيومئ به إليه، ويجعله دليلًا عليه" [1] وهو يشير إلى وجود معنًى يُراد التعبير عنه، ولفظ تشير دلالته السطحية إلى معنًى آخر، وبين المعنيين علاقة ليست علاقة التشابه كما في التشبيه والاستعارة، وإنما هي علاقة اللزوم [2] بين الدلالة المطروحة على بنية السطح ونظيرتها المطروحة على بنية العمق؛ ولذلك عرفها السكاكي بقوله:"هي ترك التصريح بذكر الشيء إلى ذكر ما يلزمه، لينتقل من المذكور إلى المتروك" [3] .
وترك التصريح بالمذكور والانتقال منه إلى المتروك لا يعني انتفاء إرادة المذكور؛ لأن العلاقة بينهما تجعلهما مطروحين أمام المتلقي الذي يستطيع من خلال الرؤية الكلية للنص التوصل إلى أيهما المراد، وهذا ما يشير إليه تعريف القزويني للكناية بأنها"لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة معناه حينئذٍ" [4] وهو ما يعني أن"استهداف اللازم لا يمنع من إرادة المعنى الأصلي معه، أي أن المعنى الأصلي والمجازي مطروحان في السياق، وقابلان للقصدية سواء أكانت علاقة اللزوم هنا عرفية أو عقلية" [5] وقد أشار العلوي إلى هذه الثنائية الإنتاجية في بنية الكناية عندما عرفها بأنها"اللفظ الدال على معنيين مختلفين، حقيقة ومجاز من غير واسطة لا على جهة التصريح" [6] بالمعنى المراد.
والملاحظ على كل هذه التعريفات أنها وضعت اللفظ قبالة المعنى المراد وغير المراد، وتحديد المعنى كناتج من نواتج اللفظ سوف يوجه البحث نحو دراسة الكناية عند شعرائه من خلال البنية الدلالية التي ينتجها الأسلوب الكنائي.
الكرم:
واحدة من الخصال الحميدة التي افتن الشعراء العرب القدامى في التعبير عنها، وجعغلها محورًا من محاور الفخر والمدح في شعرهم لما لها من أهمية كبيرة في حياة العربي المنتمي إلى بيئة طبيعية يغلب عليها الجفاف المتمثل في الصحراء بفقرها وجفافها، إلى جانب طبيعة العربي ذاتها التي تحمله على البذل والعطاء الذي يستدعي مذمة البخل والإقتار، فقد كان من الخير للعربي أن يلقى حتفه حتى لا يتعرض
(1) 159 - عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز - سابق - ص 57.
(2) 16.- د/ شفيع السيد: التعبير البياني - سابق - ص 114.
(3) 161 - السكاكي: مفتاح العلوم - سابق ت ص 4.2.
(4) 162 - الخطيب القزويني: الإيضاح في علوم البلاغة - سابق - ص 286.
(5) 163 - د/ محمد عبد المطلب: البلاغة العربية: قراءة أخرى - سابق - ص 187.
(6) 164 - العلوي: الطراز - سابق - 1/ 373.