لمذمة البخل؛ ولأن الكرم قد كان أثرًا من آثار هذه البيئة العربية، فقد كان التعبير عنها متأثرًا أيضًا بهذه البيئة، يقول أوس [1] [طويل] :
كَثِيرُ رَمَادِ الْقِدْرِ غَيْرُ مُلَعَّنٍ ... وَلا مُؤْيِسٌ مِنْهَا إِذَا هُوَ أَخْمَدَا
إن كثرة الرماد تستدعي كثرة إشعال النار، وإضافة الرماد إلى القِدر تستدعي كثرة الطبخ وذلك ما يعني أن قوله: كثير رماد القِدر كناية عن الكرم الذي تستدعيه بنية العمق، وذلك أبلغ من كثير الكرم؛ لأن دلالة الرماد لا تقف فقط عند حد الإحراق، وإنما تتعداها إلى ما يرتبط بالنيران من الأنس والإحساس بالراحة والترحاب الذي نلمحه في قول الحطيئة عن الدلالة ذاتها [2] [طويل] :
فَنِعْمَ الْفَتَى تَعْشُو إِلَى ضَوْءِ نَارِهِ ... إِذَا الرِّيحُ هَبَّتْ وَالْمَكَانُ جَدِيبُ
فالكناية في قوله: تعشو إلى ضوء ناره، وهي كناية عن كرم الفتى، وهي من أثر البيئة العربية فقد كان العربي المجبول على الكرم يوقد ناره أثناء الليل ليهتدي بها السائرون ليلًا، فينزلون عليه ضيفانًا، فيؤدي إليهم حق ضيافتهم قرير العين بما يفعل، وربما كانت الدلالة السطحية حقيقية في هذا المقام لولا أن النص قد تضمن ما يؤكد الدلالة الكنائية التي هي الكرم، فهو يقول في نهاية النص: إذا هبت الريح والمكان جديب، والجدب يستدعي الفقر والعوز؛ ومن ثم كانت الدلالة الكنائية هي المرادة من السياق، ومع كلف العربي بإشعال نيرانه بالليل، نجده يكلف كذلك بسعة بيته ليسع المجتدين وطالبي العطاء والكرم، وهو ما نجده في قول زهير [3] :
رَحْبُ الْفِنَاءِ لَوَ انَّ النَّاسَ كُلَّهُمُ ... حَلُّوا إِلَيْهِ إِلَى أَنْ يَنْقَضِي الأَبَدُ
مَا زَالَ فِي سَيْبِهِ سَجْلٌ يَعُمُّهُمُ ... مَا دَامَ فِي الأَرْضِ مِنْ أَوْتَادِهَا وَتِدُ
فرحابة الفناء كناية عن الكرم وكثرة العطاء، وهي دلالة لا تنفي الدلالة المطروحة على السطح بل تؤازرها، فالعطاء يستدعي سعة الفناء ليأتي إليه طالبوه مهما كثروا، وامتلأ بهم المكان، وكل ذلك دال على مدى ما يتميع به الممدوح من عظيم الكرم الذي نلمحه في قول كعب بن زهير [4] [كامل] :
تَزِنُ الْجِبَالَ رَزَانَةً أَحْلاَمُهُمْ ... وَأَكُفُّهُمْ خَلَفٌ مِنَ الأَمْطَار
(1) 165 - ديوان أوس ص 2 ..
(2) 166 - ديوان الحطيئة ص 164.
(3) 167 - شعر زهير ص 227، سيب: عطاء، سجل: دلو عظيمة - [بسيط]
(4) 168 - ديوان كعب ص 43.