إنه يمدح الأنصار بهذه الصور الكنائية التي تكشف فضلهم وكرمهم، فأحلامهم من الرجاحة والرزانة بحيث يفوقون بها الجبال الرواسي، ويكني عن كرمهم بقوله: وأكفهم خلف من الأمطار، والمطر في البيئة العربية عماد حياتها، ولذا كانت أكف الأنصار ما يخلفه المطر من خير لأهل المكان.
الحرب:
ومثلما أثرت البيئة العربية في الكنايات الدالة على الكرم عند الشعراء، رأيناها تؤثر في تلك الصور الكنائية الدالة على الحرب وما يتعلق بها من السلاح، أو من الأوصاف المقترنة بها كالقوة والشجاعة والغضب والغيظ، وهذا الأثر أمر طبيعي؛ لأن"البيئة الجاهلية هيأت للعرب في ذلك الوقت ظروفًا جعلتهم يتنازعون ويتشاحنون ويتحاربون، وقد ساعد على ذلك عاملٌ قويٌّ جدًّا هو عدم وجود سلطة مركزية عامة يخضع لها العرب جميعًا" [1] لذلك كثرت الحروب وكثر الحديث عنها وعن أدواتها ومختلف عناصرها، من ذلك قول أوس [2] [طويل] :
وَجِئْنَا بِهَا شَهْبَاءَ ذَاتَ أَشِلَّةٍ ... لَهَا عَارِضٌ فِيهِ الْمَنِيَّةُ تَلْمَعُ
فقد كنّى بقوله: شهباء عن الكتيبة العظيمة التي كأنما يعلو أسلحتها بياض الحديد، ومن ثم فهي كناية عن موصوف، وهنا نلمح قيمة الوصف الدال على الموصوف المحذوف، ذلك أن كلمة شهباء تستدعي كلمة الشهب بدلالتها على الإحراق الذي يتواءم ووصف الكتيبة العظيمة بالشهباء لأن أصل الشهاب هو شعلة النار، وبذلك تكون الدلالة الكنائية المجازية هي المطروحة في السياق، ليس الدلالة السطحية التي تشير فيها كلمة الشهباء إلى الكتيبة التي يعلوها بياض الحديد وقد أكد النص الدلالة الكنائية في نهايته عندما وصف المنية وهي السيوف باللمعان.
وإذا كانت قوة السيف ليست معللة به لذاته، وإنما بقوة من يحمله، كذلك لا تكون الرماح أداة فعالة في الحروب إلا بقوة من يحملها سواء أكانت هذه القوة معنوية كالجرأة والشجاعة، أو كانت شكلية ماثلة في ضخامة الجسم وطوله، يقول زهير [3] [طويل] :
إِذَا فَزِعُوا طَارُوا إِلَى مُسْتَغِيثِهِمْ ... طِوَالَ الرِّمَاحِ لا ضِعَافٍ وَلا عُزْل
فقوله: طوال الرماح كناية عن قوتهم وشدتهم في المعارك؛ لأن الرمح الطويل لا يكاد يستعمله إلا الكامل الخلق الشديد القوة؛ ولذلك لابد أن تكون الرماح والدروع وغيرها من الأسلحة محكمة الصنع لتكون أعون على تحقيق النصر، يقول كعب في مدح المهاجرين [4] [بسيط] :
(1) 169 - د/ علي الجندي: شعر الحرب في العصر الجاهلي 1/ 14 - الأنجلو 1958 م.
(2) 17.- ديوان أوس ص 58، أشلة: جمع شليل وهو الدرع القصيرة.
(3) 171 - شعر زهير ص 34.
(4) 172 - ديوان كعب ص 41،شم: جمع أشم وهو ذو الأنفة، والعرانين: عرنين / الأنف