أنفسهم، وهنا نلحظ انتصار الشاعر للإنسان في صراعه مع الحيوان، لأنه قد أبرز الإنسان في صورة المحتاج حاجة ملحة للصيد، ولم تكن الحاجة له بالدرجة الأولى وإنما كانت للغير / الضيف، وهذا ما يشير كذلك إلى الانتصار لهذه القيمة التي شغف العرب بها وهي قيمة الكرم، مهما قيل عن الشاعر صاحب الصورة من البخل والشح، وغيرها من الأوصاف التي ألح على إبرازها لهذه الشخصية والشخصيات الأخرى والمكان.
وقد تركت هذه الانفراجة أثرها على الأسرة جميعها، إذ تبدلت حالها من الإحساس ببؤس الفقر والعوز إلى سعادة الغنى بإكرام الضيف والنجاة من مذمة البخل [1] :
فَيَا بِشْرَهُ إِذْ جَرَّهَا نَحْوَ قَوْمِهِ ... وَيَا بِشْرَهُمْ لَمَّا رَأَوْا كَلْمَهَا يَدْمَى
فَبَاتُوا كِرَامًا قَدْ قَضَوْا حَقَّ ضَيْفِهِمْ ... فَلَمْ يَغْرَمُوا غُرْمًا وَقَدْ غَنِمُوا غُنْمَا
وَبَاتَ أَبُوهُمْ مِنْ بَشَاشَتِهِ أَبًا ... لِضيْفِهِمُ وَالأُمُّ مِنْ بِشْرِهَا أُمَّا
إن هذه النهاية السعيدة التي جاءت ختامًا طبيعيًّا للمعاناة التي عانتها الشخصيات جميعها، تؤكد أن الشاعر قد قصد إلى بناء عمل فني يتخذ شكل القصة ذات الشخصيات والمكان والحدث مع ما فيها من التعقيد الذي يبلغ ذروته، ويستدعي حلاًّ"ولا يتيسر الحل إلا بإضافة عنصر جديد يعرف الفنان كيف يدخله، ومتى يجعل له مكانًا في عمله الفني، وتختم القصة بالنهاية المقبولة" [2] ولم يكن العنصر الجديد سوى مجموعة الحمر الوحشية التي بدت في اللوحة منهزمة على عكس ما رأينا في كثير من اللوحات الفنية التي دخلت فيها الحُمُر الوحشية طرفًا في صراع مع الإنسان؛ لأن الشاعر إنما كان يريد الانتصار لهذه القيمة الخلقية قيمة الكرم.
كان اتجاه الشعراء الأربعة نحو الصورة القصصية قد دفعهم دفعًا نحو حركية الصورة ودراميتها التي من شأنها أن تتواصل مع المتلقي، وتشده إلى النص بما فيها من حدث وتعقد فيه وحل يقف القارئ والمتلقي قبالته في حدس وتخمين عما تكون عليه النهاية مما يعني أن الصورة حية نابضة بالحركة، أما في الصورة الوصفية، فإننا نرى لوحة فنية يقوم الشاعر برسمها مستعينًا بالعناصر عينها التي يستعين بها الرسام في رسم لوحته التي قد تشير إلى بعض الدلالات النفسية المرتبطة بمبدعها، وهو ما نجده أيضًا في اللوحة الوصفية الشعرية.
(1) 249 - ديوان الحطيئة ص 338.
(2) 25.- د/ صلاح رزق: معلقة امرئ القيس وقصائد أخرى - سابق - ص 192.