الصفحة 53 من 63

فَقَالَ ابْنُهُ لَمَّا رَآهُ بِحَيْرَةٍ ... أَيَا أَبَتِ اذْبَحْنِي وَيَسِّرْ لَهُ طَعْمَا

وَلاَ تَعْتَذِرْ بِالْعُدْمِ عَلَّ الَّذِي طَرَّا ... يَظُنُّ لَنَا مَالًا فَيُوسِعَنَا ذَمَّا

فَرَوَّى قَلِيلًا ثُمَّ أَحْجَمَ بُرْهَةً ... وَإِنْ هُوَ لَمْ يَذْبَحْ فَتَاهُ فَقَدْ هَمَّا

وَقَالَ: هَيَا رَبَّاهُ ضَيْفٌ وَلاَ قِرًى ... بِحَقِّكَ لاَ تَحْرِمْهُ تَا اللَّيْلَةِ اللَّحْمَا

ففي غمرة الإحساس بمرارة الفقر وقسوة الجوع يلمح الشاعر شبح ضيف وسط الظلام، فتفزعه رؤيته، وتزيده همًّا فوق همومه، فالشبح القادم ضيف في صحراء قاحلة، وحق الضيف الإكرام وأكرم للعربي أن يلقى حتفه ولا يكرم ضيفه، ولكن أنى لمثل هذا المعوز المرمل العاصب البطن أن يكرم الضيف القادم على حين غرة؟! وهذه بداية الأزمة التي تعرض للرجل، وثم فرجة تنفرج بها إذ يقدم الولد نفسه فداءَ ما سيتعرض له الأب من مذمة البخل وعدم إكرام الضيف، وتلك فرجة تزيد الأزمة ثقلًا، فكيف يذبح الولد ليقدمه لضيفه؟! وإن هو لم يذبحه، فقد ساورته نفسه الشاذة الطباع التي يبدو معها أنه هو الحطيئة نفسه [1] بذبح ولده.

وإذا كان ذبح الولد يستدعي قصة نبي الله إبراهيم [2] وهو يهم بذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام تنفيذًا للوحي الإلهي الذي صورته آية سورة الصافات {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [3] فإنه استدعاء شكلي لا يربط القصة الشعرية بالقصة القرآنية؛ لبعد ما بينهما من الغايات والأهداف والبنية الفنية. ووسط هذه الأزمة المزدوجة لا يجد الشاعر المأزوم مفرًّا من اللجوء إلى الله تعالى - وهو الرقيق الدين - متضرعًا ليكشف عنه هذا الكرب ويزيل عنه الهم، فيستجيب الله دعاءه، ويأتيه الفرج الذي تصوره اللوحة الثالثة من لوحات قصته، حيث الحيوان الفقير إلى الرِّي /الماء الذي يغدو بالنسبة له رمزًا للموت لا رمزًا للحياة [4] :

فَبَيْنَا هُمَا عَنَّتْ عَلَى الْبُعْدِ عَانَةٌ ... قَدِ انْتَظَمَتْ مِنْ خَلْفِ مِسْحَلِهَا نَظْمَا

عِطَاشًا تُرِيدُ الْمَاءَ فَانْسَابَ نَحْوَهَا ... عَلَى أَنَّهُ مِنْهَا إِلَى دَمِهَا أَظْمَى

فَأَمْهَلَهَا حَتَّى تَرَوَّتْ عِطَاشَهَا ... فَأَرْسَلَ فِيهَا مِنْ كِنَانَتِهِ سَهْمَا

فَخَرَّتْ نَحُوصٌ ذَاتُ جَحْشٍ سَمِينَةٌ ... قَدِ اكْتَنَزَتْ لَحْمًا وَقَدْ طَبَّقَتْ شَحْمَا

لقد انفرجت أزمة الشاعر عن مجموعة من الأتن الظمأى، يسوقها حمار الوحش، فكمن الشاعر الماهر بالرمي وانتظر حتى ارتوت وأثقلها الماء، فرماها بسهم لم يخطئها، إذ خرت واحدة منها وكانت سمينة صحيحة لم ينهكها الحمل والإرضاع، مما يعني أنهم سوف يُطعمون ضيفهم، ويَطعمون هم

(1) 245 - علي النجدي: القصة في الشعر العربي إلى أوائل القرن الثاني الهجري ص 22

(2) 246 - السابق ص 21.

(3) 247 - سورة الصافات آية رقم 1.2.

(4) 248 - ديوان الحطيئة ص 338، عنت: عرضت، عانة: حمر الوحش، نحوص: سمينة طبقت: امتلأت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت