الصفحة 52 من 63

القسمات"يستهلها بتقديم الشخوص، واستعراض المكان، ثم يضع بذرة حدث يعين المكان وطبيعة الشخوص على إنمائه وتطويره" [1] يقول الحطيئة في هذا المستهل [2] [طويل] :

وَطَاوِي ثَلاَثٍ عَاصِبِ الْبَطْنِ مُرْمِلٍ ... بِتَيْهَاءَ لَمْ يَعْرِفْ بِهَا سَاكِنٌ رَسْمَا

أَخِي جَفْوَةٍ فِيهِ مِنَ الإِنْسِ وَحْشَةٌ ... يَرَى الْبُؤْسَ فِيهَا مِنْ شَرَاسَتِهِ نُعْمَى

وَأَفْرَدَ فِي شِعْبٍ عَجُوزًا إِزّاءَهَا ... ثَلاَثَةُ أَشْبَاحٍ تَخَالُهُمُ بَهْمَا

حُفَاةٌ عُرَاةٌ مَا اغْتَذَوْا خُبْزَ مَلَّةٍ ... وَلاَ عَرَفُوا لِلْبُرِّ مُذْ خُلِقُوا طَعْمَا

تنفرد هذه اللوحة الاستهلالية بتقديم وصف دقيق لعناصر الحدث دون أن يصل إلى اللحظة الحاسمة في بنيته القصصية؛ لأن"الوصف يعمل على تعطيل الحدث وتعليق السرد" [3] فالشاعر يقدم لنا ثلاث شخصيات، الأولى منها شخصية مجهولة غير محددة بالعلم أو ما يسد مسده كالكنية واللقب، بينما قنع الشاعر بتقديم الصفات الخاصة به في البيت الأول، تلك التي تعين القارئ على تخمين ما يمكن للشاعر أن يقصه، فهو: طاوي. عاصب البطن. مرمل، وبعيدًا عن الدلالة الصرفية المورفولوجية لهذه الصفات الثلاثة باعتبارها منتمية إلى صيغة صرفية واحدة هي اسم الفاعل، فإن بنيتها الدلالية مجتمعة تشير إلى أثر الفقر والعوز على هذا الرجل، وهو أثر ارتد في مظهره الخارجي إلى عصب البطن وربطها حتى لا يؤثر فيها الجوع بعد نفاد الزاد / مرمل وقد مر على وضعه هذا ثلاثة أيام طواها في هذا الجوع والفقر.

ويقدم الشاعر لهذا الشخص المجهول الهوية - نصًّا - صورة وصفية أخرى هي صورة الجفوة والعزلة التي صارت ملازمة له حتى كأنها آخته في نسبه، وارتدت لتصمه بالشذوذ عن الطباع البشرية إذ ألف الوحشة والعزلة وصارت له نعمة يتلذذ بها ويريد أن يضفيها على كل من يتبعه، فهو يفرد امرأته العجوز، والعجز يستدعي دلالات كبر السن والمرض، وثقل الحركة، وكل ذلك تجسيد لحالة البؤس والفقر التي تحولت معها الشخصية الثالثة / الأولاد إلى أشباح قد أعمل فيها الجوع معوله فبدت أجسادها شاحبة، ثم وصفهم بالحفاة الذين لم يأكلوا الملة ولا البر منذ زمن بعيد يرجعه الشاعر إلى زمن ولادتهن، ويؤكد ذلك كله المكان الذي ألح الشاعر في وصفه فهو تيهاء يضل فيها السائر أو بيداء يبيد من يجتازها مع ما فيها من القفر والجدب.

وبعد أن فرغ من هذه اللوحة الاستهلالية المهيئة لذهن المتلقي إلى ما يزمع الشاعر فعله يأتي بالحدث الذي أقض مضجعه، وجعله يفيء إلى ذاته ويثوب إلى رشده [4] :

رَأَى شَبَحًا وَسْطَ الظَّلاَمِ فَرَاعَهُ ... فَلَمَّا بَدَا ضَيْفًا تَسَوَّرَ وَاهْتَمَّا

(1) 241 - د/ صلاح رزق: معلقة امرئ القيس وقصائد أخرى: التشكيل الفني وملامح الرؤية ص 192 الآداب 1997 م

(2) 242 - ديوان الحطيئة ص 337 وانظر الهامش.

(3) 243 - د/محمد الناصر العجيمي: الخطاب الوصفي في الأدب العربي القديم ص 4.5.

(4) 244 - ديوان الحطيئة ص 256 - 257، والبيت الأخير انظر تحقيق د/محمد أمين طه للديوان هامش ص 337.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت