أطلق السهم لكنه طاش ولم يصب، ولم يكن ذلك الفشل من سنته وطبيعته في الرمي فلعق حسرته؛ لأنه لم يكن يتوقع الفشل رغم كل ما يتمتع به من مهارة، وأصيبت أمه المتلهفة على الصيد بالحسرة والألم، وتلك لحظة التأزم الذاتي عند الصياد وأمه، وهي لحظة تقابلها لحظة الفرح بالنجاة عند الحمار وأتنه، فقد أخذا في العدو ينتقلان بين الأماكن الغليظة، ويصدر الحمار صوتًا الفرح بمنعطف الوادي كأنما يغرد الهائج المنتشي من نشوته.
والملاحظ على هذه الصورة الدرامية التي جمعت بين أزمة الإنسان وأزمة الحيوان، أن الشاعر قد انتصر للحيوان كما فعل أوس مع ثوره، وكذلك مع الحمار الوحشي في قصيدته الفائية [1] ، وزهير مع بقرته، ولم يتنصر ثلاثتهم للإنسان رغم حاجته لهذا الانتصار، والسبب في ذلك واضح، إذ أراد ثلاثتهم من الصورة الوصول بالناقة إلى أقصى حدٍّ من السرعة والقوة والصلابة، ووجدوا أن ذلك لا يتم إلا باتخاذ هذه الحيوانات مشبهًا به أو معادلًا موضوعيًّا للناقة، بحيث تبرز الأزمة التي تتعرض لها تلك الحيوانات مدى سرعتها وصلابتها التي ترتد في الصورة التشبيهية إلى وجه الشبه الجامع بين الناقة وهذه الحيوانات.
ومن نافلة القول حول هذه الصور لأوس وزهير وكعب أنها صور مكرورة شائعة في الشعر العربي، وإذا كانت الأفضلية منسوبة للسابق، فإن اللاحق لا يعدم مثل هذه الأفضلية إذا اشتملت صورته على عناصر التميز والتفرد في بنائها، وذلك ما رأيناه عند هؤلاء الشعراء الثلاثة ففي صورة أوس عن الثور وعن الحمار وجدنا تميزه في"إمعانه في وصف الصائد والحمار ... والإجادة في التقاط الصور الصغيرة، وصياغة الأساليب الجميلة، والتشبيهات البديعة، فهي ميدان التفوق والامتياز، وشواهد على بروز الشخصية" [2] وذلك ما رأيناه أيضًا عند كعب في صورته هذه الأخيرة، وإن تميز عن أوس بالإفاضة في وصف الحمار وصراعه مع أتنه، وأما زهير فقد تميزت صوره بالنزعة العقلية المنطقية إلى جانب النزعة الأخلاقية، وقد ظهر في خلال ذلك كله"غاية فنية غالبة هي استغراق المعاني واستنفادها، وهو يحقق هذه الغاية في أشعاره عن طريق نوعين من الصور: الأولى، صور كلية كانت تنحل في أشعاره إلى صور جزئية عديدة، تأخذ بالمعنى من جميع جوانبه، وفي أبعاده المختلفة، والثاني طريق الصور الجزئية لهذه الجوانب المختلفة من المعنى وهي صور تتجمع وتتواصل لتكون في آخر الأمر هذه الصورة الكلية الجامعة" [3] .
ب - انتصار الإنسان:
إذا كانت رغبة الصياد /الإنسان في الحصول على صيده والانتفاع به قد فشلت عند كعب، فإننا نجد الحطيئة ينتصر للإنسان، ويظفره بفريسته في صورة قصصية ملحمية تمثل قصة فنية مكتملة
(1) 238 - انظر ديوان أوس الأبيات 27 - 57 ص 67 - 73.
(2) 239 - د/ أحمد محمد النجار: أساليب الصناعة في الشعر الجاهلي ص 39.
(3) 24.- د/ إبراهيم عبد الرحمن: الشعر الجاهلي قضاياه الفنية والموضوعية ص 318.