دقة الرمي، وله يدان ورجلان من الدقة بحيث تعينه دقتها على التخفي والتستر الذي تخير له الشجر أو الجب ليزيد في تستره عن أعين الأتن وحمارها، وبين مشهد الأتن وهي ترد الماء، ومن شدة عطشها تنكب على الماء جالسة عند مورده متناسية إلى حين هذا الذي يترصدها لأنها تريد أن تروّي ظمأها، فتغوص بأقدامها في الماء الشهي وتحتسي منه وتجرع منه بصورة شبيهة بصورة وقع الحصى في الماء.
ومن الحق القول: إن إصرار الأتن على الوصول إلى مورد الماء والنهل منه رغم اليقين الثابت بخطر الموت المحدق بها في صورة الصياد المترقب قدومها إلى الماء يضعنا أمام هذه الثنائية الضدية التي يصير فيها الماء رمزًا للحياة والموت في آن معًا، وإذا كان الماء أصل الحياة والأحياء في كل المعتقدات القديمة عند المصريين والسومريين والبابليين والآشوريين والكنعانيين والساميين والهنود،"فقد أجمعت طقوس وشعائر هذه الشعوب ومعتقداتها القديمة على تأليه الماء بوصفه مانحًا للحياة، ورمزًا للخصب والنماء، وأنه مصدر كل شيء حي، وهو في هذا نقيض للجفاف رمز الموت والدمار [1] ؛ ولذلك وجدنا حمار الوحش ينجو هو وأتنه من الموت؛ لأنهما نهلا من هذا الإله / الماء، ولأن الإله لا يموت، فإن من يتصل به، أو يصل إليه لا يموت وليكون ذلك تحقيقًا للفكرة الأسطورية التي تقدس حمار الوحش وتربطه بالشمس الإله [2] ، واللوحة التالية من صورة الحمار وأتنه تشير إلى محاولات الصياد وفشلها، وأثر الفشل عليه [3] :"
فَأَمْسَكَ يَنْظُرُ حَتَّى إِذَا ... دَنَوْنَ مِنَ الرِّيِّ أَوْ قَدْ رَوِينَا
تَنَحَّى بِصَفْرَاءَ مِنْ نَبْعَةٍ ... عَلَى الْكَفِّ تَجْمَعُ أَرْزًا وَلِينَا
مُعِدًّا عَلَى عَجْسِهَا مُرْهَفًا ... فَتِيقَ الْغِرَارَيْنِ حَشْرًا سَنِينَا
فَأَرْسَلَ سَهْمًا عَلَى فُقْرَةٍ ... وَهُنَّ شَوَارِعُ مَا يَتَّقِيناَ
فَمَرَّ عَلَى نَحْرِهِ وَالذِّرَاعِ ... وَلَمْ يَكُ ذَاكَ الْفِعْلُ لَهُ دِينَا
فَلَهَّفَ مِنْ حَسْرَةٍ أُمَّهُ ... وَوَلَّيْنَ مِنْ رَهَجٍ يَكْتَسِينَا
تَهَادَى حَوَافِرُهُنَّ الْحَصَى ... وَصُمَّ الصُّخُورِ بِهَا يَرْتَمِينَا
فَقَلْقَلَهُنَّ سَرَاةَ الْعِشَا ... ءِ أَسْرَعَ مِنْ صَدْرِ الْمُصْدِرِينَا
يَزُرُّ وَيَلْفِظُ أَوْبَارَهَا ... وَيَقْرُو بِهِنَّ حُزُونًا حُزُونَا
وَتَحْسَبُ فِي الْبَحْرِ تَعْشِيرَهُ ... تَغَرُّدَ أَهْوَجَ فِي مُنْتَشِينَا
فَأَصْبَحَ بِالْجِزْعِ مُسْتَجذِلًا ... وَأَصْبَحْنَ مُجْتَمِعَاتٍ سُكُونَا
لقد تمالك نفسه وضبطها منتظرًا دنو الحمار وأتنه من الماء وشربهما حتى مرحلة الريّ التي عندها تمتلئ البطون، فتثقل الحركة ومن ثمة يسهل الصيد، وكل ذلك مما يشير إلى ذكاء هذا الصائد الذي رسمه كعب بصورة تؤكد أنه لا يخطئ رميته أبدًا، ومن تمام ذلك أن تكون قوسه صلبة مصنوعة من النبعة المشهورة بصنعة القسيّ منها، وعندما تأكد من مناسبة اللحظة للرمي ومن إمكانه الإصابة،
(1) 235 - د/ ثناء أنس الوجود: رمز الماء في الأدب الجاهلي ص 21 - مكتبة الشباب - القاهرة 1986 م.
(2) 236 - حول علاقة حمار الوحش بالشمس انظر: د/ علي البطل: الصورة الفنية في الشعر العربي ص 116.
(3) 237 - ديوان كعب ص 74 - 75، أمسك: ضبط نفسه، تنحى: قصد، الصفراء: القوس، أرز: المراد صلابة القسي، العجس: المقبض، فتيق الغرارين: واسع الحدين، حشر: لطيف، سنين: مسنون، الفقرة: الإمكان، الرهج: الغبار، سراة العشاء: ارتفاعه، المصدرون: المرتدون عن الماء، يزر: يقص، يقرو بهن: يتتبعهن، حزون: ما غلظ من الأرض، تعشيره: متابعته النهيق، الجزع: منحنى الوادي، مستجذلًا: فرحًا.