الصفحة 49 من 63

فَأَبْقَيْنَ مِنْهُ وَأَبْقَى الطِّرَا ... دُ بَطْنًا خَمِيصًا وَصُلْبًا سَمِينَا

عُوجًا خِفَافًا سِلاَمَ الشَّظَى ... وَمِيظَبَ أُكْمٍ صَلِيبًا رَزِينَا

إِذَا مَا انْتَحَاهُنَّ شُؤْبُوبُهُ ... رَأَيْتَ لِجَاعِرَتَيْهِ غُضُونَا

يُعَضِّضُهُنَّ عَضِيضَ الثِّقَا ... فِ بِالسَّمْهَرِيَّةِ حَتَّى تَلِينَا

وَيَكْدُمُ أَكْفَالَهَاعَابِسًا ... فَبِالشَّدِّ مِنْ شَرِّهِ يَتَّقِينَا

إِذَا مَا انْتَحَتْ ذَاتُ ضِغْنٍ لَهُ ... أَصَرَّ فَقَدْ سَلَّ مِنْهَا ضُغُونَا

لَهُ خَلْفَ أَدْبَارِهَا أَزْمَلٌ ... مَكَانَ الرَّقِيبِ مِنَ الْيَاسَمِينَا

يُحَشْرِجُ مِنْهُنَّ قَيْدَ الذِّرَاعِ ... وَيَضْرِبْنَ خَيْشُومَهُ وَالْجَبِينَا

فَأَوْرَدَهَا طَامِيَاتِ الْجِمَامِ ... وَقَدْ كُنَّ يَأْجُنَّ أَوْ كُنَّ جُونَا

يُثِرْنَ الْغُبَارَ عَلَى وَجْهِهِ ... كَلَوْنِ الدَّوَاخِنِ فَوْقَ الإِرِينَا

وَيَشْرَبْنَ مِنْ بَارِدٍ قَدْ عَلِمْـ ... ـنَ أَنْ لاَ دِخَالَ وَأَنْ لاَ عُطُونَا

وَتَنْفِي الضَّفَادِعَ أَنْفَاسُهَا ... فَهُنَّ فُوَيْقَ الرَّجَا يَرْتَقِينَا

لقد كلف هذا الحمار نفسه مطاردة أتنه وتتبعها للبعد عن مكمن الخطر حتى أهزله طرادها وأثر عليه، فلجأ إلى عضهن حتى تستقيم له وتلين، وأخذ يضرب أكفالها من مسافة قصيرة تقدر بالذراع مع ما يصدره من أصوات الزجر والطرد ليوردها الماء المرتفع، ولم تنس الأتن أنفتها، ولم تخف تمردها في مبادلته الضرب والرفس، وتثير الغبار بينها وبينه حتى تنجو من عضه وضربه، حتى أورده الماء، فأخذت تعب منه لعطشها، وتسارعت أنفاسها أمامها لتطرد عنها الضفادع التي تقف عند مشافرها.

ومع كل هذا الطراد والعضّ والضرب؛ بغية تحاشي الخطر المُحدِق بالأتن وبالحمار نفسه، فإن الخطر ما يزالُ محدقًا والصياد ما يزال يتربص به الدوائر خاصة عندما سمح لنفسه وأتنه بعد هذه الرحلة الطويلة من الطراد والصراع بأن ترد الماء لتشرب منه [1] :

فَصَادَفْنَ ذَا حَنَقٍ لاَصِقٍ ... لُصُوقَ الْبُرَامِ يَظُنُّ الظُّنُونَا

قَصِيرَ الْبَنَانِ دَقِيقَ الشَّوَى ... يَقُولُ أَيَأْتِينَ أَمْ لاَ يَجِينَا

يَؤُمُّ الْغَيَابَةَ مُسْتَبْشِرًا ... يُصِيبُ الْمَقَاتِلَ حَتْفًا رَصِينَا

فَجِئْنَ فَأَوْجَسْنَ مِنْ خَشْيَةٍ ... وَلَمْ يَعْتَرِفْنَ لِنَفْرٍ يَقِينَا

وَتُلْقِي الأَكَارِعَ فِي بَارِدٍ ... شَهِيٍّ مَذَاقَتُهُ تَحْتَسِينَا

يُبَادِرْنَ جَرْعًا يُوَاتِرْنَهُ ... كَقَرْعِ الْقَلِيبِ حَصَى الْقَاذِفِينَا

نلمح في هذه اللوحة تداخلًا بين مشهد الصائد الحانق اللاصق بالمكان لصوق الدويبة الصغيرة المعروفة بالقراد بمؤخرة الناقة فلا تبرحها، وهذا الصائد يظن ويخمن هل تصيب سهامه الأتن أم لا؟ وهل سوف ترد الماء حيث يكمن مستترًا لها أم لا؟ وهو صائد ماهر ذو بنان قصيرة يعينه قصرها على

(1) 234 - ديوان كعب ص 94 - 95، ذا حنقٍ: الصائد، البرام: القراد، الشوى: الأعضاء البعيدة عن المقتل كاليدين والرجلين، يؤم: يقصد، الغيابة: كل ما يستر ويخفي، الرصين: المحكم، نفر: ذعر وارتياع، الأكارع: جمع كراع وهو ما بين الرسغ إلى الركبة في اليد، يواترنه: يتابعنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت