له يلقي عليه كثيرًا مما في نفسه فيتخفف من وطأة مشاعره الباهظة" [1] تلك المشاعر التي يتركها ارتحال الأحبة عن المكان من الأحزان والآلام المتبوعة بالوحدة ومعاناة الشاعر لها."
وفي ضوء ما سبق يمكن أن نفسر ما أحيط بالناقة من أوصاف السرعة والقوة والصلابة والضخامة، وغيرها من الصفات التي خلعها عليها الشعراء القدامى، وراحوا يؤكدونها من خلال استقطاب بعض أنواع الحيوان المشهورة بأهم هذه الصفات وهي صفتا القوة والصلابة، وجعل هذه الحيوانات مشبهًا به للناقة على نحو ما فعل أوس وزهير من قبل، وعلى نحو ما يفعل كعب في هذه الصورة عندما يتخذ من الحمار الوحشي مشبهًا به لناقته [2] [متقارب] :
كَأَنِّي شَدَدْتُ بِأَنْسَاعِهَا ... قُوَيْرِحَ عَامَيْنِ جَأْبًا شَنُونَا
يُقَلِّبُ حُقْبًا تَرَى كُلَّهُنَّ ... قَدْ حَمَلَتْ وَأَسَرَّتْ جَنِينَا
وَحَلاَّهُنَّ وَخَبَّ السَّفَا ... وَهَيَّجَهُنَّ فَلَمَّا صَدِينَا
وَأَخْلَفَهُنَّ ثِمَادِ الْغِمَارِ ... وَمَا كُنَّ مِنْ سَادِقٍ يَحْتَسِينَا
جَعَلْنَ الْقَنَانَ بِإِبْطِ الشِّمَالِ ... وَمَاءَ الْعُنَابِ جَعَلْنَ الْيَمِينَا
وَبَصْبَصْنَ بَيْنَ أَدَنِي الْغَضَا ... وَبَيْنَ عُنَيْزَةَ شَأْوًا بَطِينَا
إننا نلمح منذ بداية الصورة تشبيه كعب ناقته في قوتها وصلابتها وسرعتها بحمار الوحش من خلال استخدامه دالة التشبيه كأن التي تدخل الحمار إلى الصورة الشعرية التي تؤكد على أن وصف الحمار الوحش في الصورة لم يكن"مقصودًا لذاته، وإنما تسلل الشعراء إليه، وتقصوا أحواله مع أتنه، وتتبعوا مراحل طرده بدافع إظهار قوة الناقة" [3] التي تمثل المشبه الذي تناساه الشاعر، ووقف بصورته عند هذا الحمار الذي أظهره في صورة إنسانية إذ"يحدب على أتنه، ويغار عليها غيرة الرجل على نسائه، وينجيها من مظانّ التهلكة" [4] ويصرفها كما يريد؛ حفاظًا منه على جنينها، ويمنعها من ورود الماء خشية الصائد الذي كثيرًا ما كان يتربص بها عندها متخفيًا ومتوسلًا بكل الحيل التي تضمن نجاحه في مهمته، وكان الحمار كغيره من الحيوانات الطرائد يدرك ذلك" [5] ولذلك وجدنا الحمار يمنع أتنه من ورود الماء رغم عطشها، ويجري أمامها على النباتات الشوكية التي تملأ الطريق مستكشفًا أمامها طريقها في صورة إنسانية تدل على مدى حدبه عليها، كما يأمرها بالاحتماء بجبل القنان وأن تشرب مما تبقى من ماء المطر رغم وجود ماء العناب عن يمينها وكل ذلك التوجيه بدافع الخشية عليها من أن يصيبها مكروه، تلك الخشية التي تدفعه في بعض الأحيان إلى طرادها و القسوة عليها بالكدم حينًا وبالعض حينًا آخر [6] [متقارب] :"
(1) 228 - د/ وهب أحمد رومية: شعرنا القديم والنقد الجديد - سابق - ص 183.
(2) 229 - ديوان كعب ص 91 - 92، الأنساع: حبال يشد بها الرحل، جأبًا: غليظًا، شنون: بين الضخامة والهزال، حقبًا: الأتان، حلاهن: منعهن، خب: جرى، السفا: الشوك، الثماد: ما تبقى من ماء المطر، الشأو: الشوط.
(3) 23.- د/ عباس الصالحي: الصيد والطرد في الشعر العربي حتى نهاية القرن الثاني الهجري ص 83 - ط 1/ 1981 م -المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع- بيروت
(4) 231 - د/ سيد نوفل: شعر الطبيعة في الأدب العربي ص 43 - ط 2/ 1978 م - دار المعارف - القاهرة.
(5) 232 - د/ عباس الصالحي: الصيد والطرد في الشعر العربي - السابق - ص 71.
(6) 233 - ديوان كعب ص 92 - 94، الصلب: الظَّهر، عوجًا خفافًا: قوائم خفيفة غير سمينة، الشظى: عظم صغير في بطن الذراع، ميظب: ضرب من الحجارة، الأكم: جمع أكمة وهي التل، شؤبوب: حدة الجري والعدْو، جاعرتيه: مثنى جاعرة وهي طرف الورك المشرف على الفخذ، يكدم: يعض، أزمل: صوت مختلط، طاميات: عالية مرتفعة، الجمام: جمع جمة وهي معظم الماء، يأجن الماء: يتغير، جون: متغير كدر، الإرين: حفر النار.