ولم يختلف كعب عن زهير أو أوس في العلة التي انطلق منها إلى هذه القصة الشعرية التي تتخذ المنحى الدرامي، فقد كانت العلة عند ثلاثتهم واحدة، وهي تصوير سرعة الناقة وصلابتها التي يستعين بها على تفريج همومه بسبب ذكريات المحبوبة المرتحلة عند الوقوف على ديارها الدارسة، والتأمل في سالف أيامها وما آلت إليه، وهو ما رأيناه عند كعب الذي اتخذ من ناقته الصلبة السريعة مفرجًا لهمومه، ومكفكفًا لدموعه عند ديار المحبوبة [1] [متقارب] :
وَكُنْتُ إِذَا مَا اعْتَرَتْنِي الْهُمُومُ ... أُكَلِّفُهَا ذَاتَ لَوْثٍ أَمُونَا
عُذَافِرَةٍ حُرَّةِ اللِّيطِ لاَ ... سَقُوطًا وَلا ذَاتِ ضِغْنٍ لَجُونَا
تقف بنا هذه اللوحة على صورة من صور المفارقة الدلالية التي تجمع بين الأقانيم الثلاثة التي تشكل رؤية الشاعر للموضوع الذي يعالجه وهذه الأقانيم هي"المكان، الإنسان، الحيوان، ما استأنس منه فكان رفيقًا للشاعر في رحلة حياته كالناقة - عند كعب - والحصان، وما استوحش منه فكان على الدوام هدف مطاردة لا تفتر ولا تلين كبقر الوحش -في اللوحة السابقة عند زهير- والوعول والآرام" [2] والثور الذي رأيناه عند أوس، ومبعث المفارقة بين هذه الأقانيم في صورة كعب تكمن في جدلية التقابل بين الأقنوم الأول /المكان، والأقنوم الثاني /الإنسان الشاعر، فالمكان يشد الشاعر إليه بحكم العلاقة القديمة بين الشاعر وصاحبة المكان التي حنَّ إليها فعرج على المكان ليجده على هذه الحالة التي دفعته ليجد دواءه في داء هو الهرب
وعندما ننتقل إلى العلاقة بين الأقنومين الثاني - الإنسان ? الشاعر - والثالث / الحيوان الناقة التي أضفى عليها الشاعر من الصفات ما يجعلها من الكرائم التي ترتبط بها حياته رباط الوجود / العدم، نجد هذه المفارقة واضحة برغم الاتفاق على الشعور وهو الحنين إلى المكان / الوطن، فالشاعر الإنسان يحنُّ إلى هذا المكان ولذلك فقد جاءه ووقف عنده وذرف عبرته لحاله، والناقة شُهِر عنها الحنين إلى الوطن، فقد قال الحكماء:"وأكرم الإبل أشدها حنينًا إلى أوطانها" [3] .
إن الناقة هنا مكرهة على ترك المكان - إلى حين - للعلاقة الوثقى التي تربطها بالشاعر، وذلك لأنها سوف تعينه على ما به من هموم الفراق، والمتأمل في هذه اللوحة وغيرها يدرك"أن الأشياء في الشعر يلفت بعضها إلى بعض، فالهموم تلفت إلى الناقة، والناقة تلفت إلى الكون، والكون يلفت إلى الذات ... والناقة تمضي هموم الشاعر وتسليها بطرق شتى أهما اثنتان: بالرحلة في الصحراء، وتأمل الكون وما يضطرب فيه، والتماس العزاء مما يرى، والتسرية عن النفس به وباتخاذ هذه الناقة قناعًا أو معادلًا شعريًّا"
(1) 225 - ديوان كعب ص 9.- 91، لوث: قوة، أمون: قوية مأمونة الركوب، عذافرة، صلبة شديدة، الليط: الجلد واللون، سقوط: لا تقوى على السير، لجون: بطيئة.
(2) 226 - د/ محمد فتوح أحمد: الروافد المستطرقة - سابق - ص 145.
(3) 227 - الجاحظ: الحنين إلى الأوطان تصحيح طاهر الجزائري عن طبعة المنار ص 9 مكتبة الآداب /القاهرة / د. ت