تَفَادَى كُمَاةُ الْخَيْلِ مِنْ وَقْعِ رُمْحِهِ = تَفَادِي خَشَاشِ الطَّيْرِ مِنْ وَقْعِ أَجْدَلِ
يمدح زيد الخيل بالقوة والشجاعة وإصابة الرمي الذي يبدو في محاولة شجعان الأعداء تفادي رميه وهم في تفاديهم هذا يشبهون تفادي الطيور الصغيرة من وقع الصقر عليها وافتراسها، وكأن هذه الرماح المصوبة بدقة نحو الأعداء شبيهة بدقة الصقر في الوقوع على فرائسه.
وفي ضوء ما سبق من تحليل الصور اللغوية التي أتى عليها التشبيه المحذوف الأداة عند الشعراء الأربعة يمكن أن ندرك مدى ما يتمتعون به من ملكة فنية وُظِّفت قدراتها في بنية الصورة التشبيهية القانعة من عناصرها بالطرفين اللذين قد يأتيان حسيين أو عقليين، أو يتناوبان بين الحسية والعقلية، وكان من مظاهر هذا التوظيف"إسقاطهم لبعض الروابط الأسلوبية - الأداة - وجه الشبه المصدر - لأنها وسائل إيضاح وتفسير، واكتفاؤهم من الجملة بمراكز الإيحاء فيها" [1] كالمشبه والمشبه به؛ لأنهما ما تبقى من الصورة التشبيهية بعد الحذف.
وإذا كانت آلية التشبيه قد توقفت عند إقامة علاقة بين طرفين معروفين؛ لأنهما مذكوران في النص، ويجمع بينهما الاتفاق في بعض الصفات أو معظمها بيد أنهما لا يتطابقان؛ لأن التطابق يشير إلى التوحد ومن ثم مشابهة الشيء بنفسه، ولم يكن التشبيه كذلك؛ لأنه يقوم على التغاير وليس التطابق، وإن بدت العلاقة من الطرفين من القوة بحيث يخيل أن هذا هو ذاك، كما بدا من استخدام أداة التشبيه كأنّ أو في صور التشبيه المحذوف الأداة، بيد أنها تظل في نهاية الأمر صورًا تشبيهية تم فيها الحفاظ على الطرفين.
أما في الصورة الاستعارية، فإن المبدع يحاول إيهام المتلقي بهذا التوحد والتطابق بين الطرفين لأنه يجتهد في أن يصل بالمركب الاستعاري إلى أقصى غاية ممكنة من التشابه تستطيع أن تنتجها البنية اللغوية التي تعتمد النقل والإبدال بين طرفيْ الصورة الاستعارية؛ لأن"الاستعارة تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على جهة النقل للإبانة" [2] ، وهو التعريف الذي قال به العسكري في الصناعتين، فهي"نقل العبارة عن موضع استعمالها في أصل اللغة إلى غيره لغرض" [3] وأشار القاضي الجرجاني في الوساطة إلى عملية النقل في الاستعارة، وقيمتها الفنية فهي"ما اكتُفي فيها بالاسم المستعار عن الأصل، ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها، وملاكها تقريب الشبه ومناسبة المستعار له للمستعار منه، وامتزاج اللفظ بالمعنى، حتى لا يوجد بينهما منافرة، ولا يتبين في أحدهما إعراض عن الآخر" [4] ، وهذا النقل والإبدال في الاستعارة بين مجالين دلاليين مختلفين إنما يهدف إلى"دخول المشبه في جنس المشبه به" [5] ، وهو ما يعني المبالغة في التشبيه [6] مع الإشارة إلى قيمة جديدة
(1) 128 - د/ محمد فتوح أحمد: الرمز والرمزية في الشعر المعاصر ص 35 ..
(2) 129 - الرماني: النكت في إعجاز القرآن ص 85.
(3) 13.- العسكري: الصناعتين - سابق - ص 275.
(4) 131 - القاضي الجرجاني: الوساطة بين المتنبي وخصومه - سابق - ص 43.
(5) 132 - السكاكي: مفتاح العلوم - سابق - ص 369.
(6) 133 - حول المبالغة في الاستعارة انظر: نهاية الإيجاز للرازي ص 117، والإيضاح للقزويني ص 254.